تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 485

مساهمون:

ص٤٨٥
قوله عزّ وجل :

[ سورة البلد ( 90 ) : الآيات 11 إلى 20 ]

فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ( 11 ) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ ( 12 ) فَكُّ رَقَبَةٍ ( 13 ) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ( 14 ) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ ( 15 ) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ ( 16 ) ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ( 17 ) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ( 18 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ ( 19 ) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ ( 20 ) في هذه الآية على عرف كلام العرب ، استعارة لهذا العمل الشاق على النفس من حيث هو بذل مال تشبيه بعقبة الجبل ، وهي ما صعب منه وكان صعودا ، و
اقْتَحَمَ
معناه : دخلها وجاوزها بسرعة وضغط وشدة ، وأما المفسرون فرأوا أن
الْعَقَبَةَ
يراد بها جبل في جهنم ، لا ينجي منه إلا هذه الأعمال ونحوها ، قاله ابن عباس وقتادة ، وقال الحسن :
الْعَقَبَةُ
جهنم ، قال هو وقتادة فاقتحموها بطاعة اللّه ، وفي الحديث : « إن اقتحامها للمؤمن كما بين صلاة العصر إلى العشاء » ، واختلف الناس في قوله
فَلَا
فقال جمهور المتأولين : هو تحضيض بمعنى « فألا » ، وقال آخرون وهو دعاء بمعنى أنه ممن يستحق أن يدعى عليه بأن لا يفعل خيرا ، وقيل هي نفي ، أي « فما اقتحم » ، وقال أبو عبيدة والزجاج وهذا نحو قوله تعالى :
فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى
[ القيامة : 31 ] فهو نفي محض كأنه قال : وهبنا له الجوارح ودللناه على السبيل فما فعل خيرا ، ثم عظم اللّه تعالى أمر العقبة في النفوس بقوله :
وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ
؟ ثم فسر اقتحام العقبة بقوله
فَكُّ رَقَبَةٍ
وذلك أن التقدير وما أدراك ما اقتحام العقبة ؟ هذا على قراءة من قرأ « فكّ رقبة » بالرفع على المصدر ، وأما من قرأ « فكّ » على الفعل الماضي ونصب الرقبة ، فليس يحتاج أن يقدر
وَما أَدْراكَ
ما اقتحام ، بل يكون التعظيم للعقبة نفسها ، ويجيء « فكّ » بدلا من
اقْتَحَمَ
ومبينا . وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة « فك رقبة أو إطعام » ، وقرأ أبو عمرو « فك رقبة » بالنصب ، « أو أطعم » ، وقرأ بعض التابعين « فكّ رقبة » بالخفض ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو أيضا والكسائي « فكّ رقبة » بالنصب « أو إطعام » . وترتيب هذه القراءات ووجوهها بينة ، وفك الرقبة معناه : بالعتق من رقبة الأسر أو الرق ، وفي الحديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من أعتق نسمة مؤمنة أعتق اللّه بكل عضو منها عضوا منه من النار » . وقال أعرابي للنبي صلى اللّه عليه وسلم : دلني على عمل أنجو به ، فقال : « لئن قصرت القول لقد عرضت المسألة فك رقبة ، وأعتق النسمة » ، فقال الأعرابي : أليس هما واحد ؟ فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لا عتق النسمة أن تنفرد بعتقها ، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها » . قال القاضي أبو محمد : وكذلك فك الأسير إن شاء اللّه ، وفداؤه أن ينفرد الفادي به ، ثم قال النبي صلى اللّه عليه وسلم للأعرابي : « وأبق على ذي الرحمن الظالم ، فإن لم تطق هذا كله ، فكف لسانك إلا من خير » ، و « المسغبة » : المجاعة . والساغب : الجائع . وقرأ جمهور الناس « ذي مسغبة » على نعت
يَوْمٍ
، وقرأ علي بن أبي طالب والحسن وأبو رجاء « ذا مسغبة » على أن يعمل فيها « أطعم » أو « إطعام » على القراءتين المذكورتين ، وفي هذا حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه ، لأن التقدير إنسانا ذا مسغبة ووصفت الصفة لما قامت مقام موصوفها المحذوف ، وأشبهت الأسماء ، و « المسغبة » : الجوع العام ، وقد
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 485 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى