تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 484

مساهمون:

ص٤٨٤
« الكبد » ، فقال جمهور الناس : « الإنسان » اسم الجنس كله ، و « الكبد » المشقة والمكابدة ، أي يكابد أمر الدنيا والآخرة ، ومن ذلك قول لبيد : [ المنسرح ]
يا عين هلا بكيت أربد إذ * قمنا وقام الخصوم في كبد
وقول ذي الإصبع : [ البسيط ]
لي ابن عم لو أن الناس في كبد * لظل محتجرا بالنبل يرميني
وبالمشقة في أنواع أحوال الإنسان فسره الجمهور ، وقال الحسن : لم يخلق اللّه خلقا يكابد ما يكابد ابن آدم ، وقال ابن عباس وعبد اللّه بن شداد وأبو صالح والضحاك ومجاهد
فِي كَبَدٍ
معناه : منتصف القامة واقفا ، وقال ابن زيد : « الإنسان » : آدم عليه السلام ، و
فِي كَبَدٍ
معناه : في السماء سماها كبدا ، وهذان قولان قد ضعفا والقول الأول هو الصحيح ، وروي أن سبب الآية وما بعدها هو أبو الأشدين رجل من قريش شديد القوة ، اسمه أسيد بن كلدة الجمحي ، كان يحسب أن أحدا لا يقدر عليه ، ويقال بل نزلت في عمرو بن ود ، ذكره النقاش ، وهو الذي اقتحم الخندق بالمدينة وقتله علي بن أبي طالب خلف الخندق ، وقال مقاتل : نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل ، أذنب فاستفتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فأمره بالكفارة فقال : لقد
أَهْلَكْتُ مالًا
في الكفارات والنفقات مذ تبعت محمدا ، وكان كل واحد منهم قد ادعى أنه أنفق مالا كثيرا على إفساد أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم أو في الكفارات على ما تقدم ، فوقف القرآن على جهة التوبيخ للمذكور ، وعلى جهة التوبيخ لاسم الجنس كله . و
يَقْدِرَ
نصب ب
لَنْ
و
أَنْ
مخففة من الثقيلة ، وكان قول هذا الكافر :
أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً
كذبا منه ، فلذلك قال :
أَ يَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ
أي أنه رئي وأحصي فعله فما باله يكذب ؟ ومن قال إن المراد اسم الجنس غير مفرد ، جعل قوله تعالى :
أَ يَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ
بمعنى أيظن الإنسان أن ليس عليه حفظة يرون أعماله ويحصونها إلى يوم الجزاء ، وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن عمره فيما أفناه وجسمه فيما أبلاه وماله من أين كسبه وأين أنفقه » ، واختلف القراء في قوله « لبدا » ، فقرأ جمهور القراء بضم اللام وفتح الباء ، وقرأ مجاهد « لبدا » بضمهما وذلك جمع لبدة أو جمع لبود بفتح اللام ، وقرأ أبو جعفر يزيد « لبّدا » بضم اللام وفتح الباء وشدها فيكون مفردا نحو « زمّل » ويكون جمع لا بد ، وقد روي عن أبي جعفر « لبدا » بسكون الباء ، والمعنى في هذه القراءات كلها مالا كثيرا متلبدا بعضه فوق بعض من التكاثف والكثرة ، وقرأ الأعمش : « لم يره » بسكون الراء لتوالي الحركات ، ثم عدد تعالى على الإنسان نعمه التي بها تقوم الحجة ، وهي جوارحه . وقرن تعالى « الشفتين » باللسان لأن نعمة العبارة والكلام ، لا يصح إلا بالجميع . . وفي الحديث : يقول اللّه تعالى : « ابن آدم إن نازعك لسانك إلى ما لا يحل ، فقد أعنتك عليه بشفتين فأطبقهما عليه » . واختلف الناس في
النَّجْدَيْنِ
فقال ابن مسعود وابن عباس والناس : طريقا الخير والشر ، أي عرضنا عليه طريقهما ، وليست الهداية هنا بمعنى الإرشاد . وقال ابن عباس أيضا والضحاك : « النجدان » : ثديا الأم وهذا مثال ، والنجد : الطريق المرتفع ، وأنشد الأصمعي : [ الطويل ]
كميش الإزار خارج نصف ساقه * صبور على الأرزاء طلاع أنجد