عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنه قال : ما عمل بها أحد غيري وأنا كنت سبب الرخصة والتخفيف عن المسلمين وذلك أني أردت مناجاة النبي صلى اللّه عليه وسلم في أمر ضروري فصرفت دينارا بعشرة دراهم ، ثم ناجيته عشر مرار أقدم في كل مرة درهما ، وروي عنه أنه تصدق في كل مرة بدينار فقال علي ثم فهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن هذه العبادة قد شقت على الناس فقال لي يا علي : كم ترى أن يكون حد هذه الصدقة ، أتراه دينارا ؟ ، قلت : لا ، قال نصف دينار ، قلت : لا ، قال فكم : قلت حبة من شعير قال إنك لزهيد ، فأنزل اللّه الرخصة .
قال القاضي أبو محمد : يريد للواجد وأما من لا يجد فالرخصة له ثابتة أولا بقوله تعالى :
فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
. وقال مقاتل : بقي هذا الحكم عشرة أيام ، وقال قتادة : بقي ساعة من نهار ، وقرأ جمهور من الناس : « صدقة » بالإفراد ، وقرأ بعض القراء « صدقات » بالجمع .
قوله عزّ وجل :
[ سورة المجادلة ( 58 ) : الآيات 13 إلى 16 ]
أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 13 ) أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 14 ) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 15 ) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( 16 )
الإشفاق : الفزع من العجز عن الشيء المتصدق به أو من ذهاب المال في الصدقة وله وجوه كثيرة يقال فيها الإشفاق ، لكنه في هذا الموضع كما ذكرت ،
وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ
معناه : رجع بكم ، وقوله
فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
الآية المعنى دوموا على هذه الأعمال التي هي قواعد شرعكم ومن قال إن هذه الصدقة منسوخة بآية الزكاة ، فقوله ضعيف لا يحصل كيف النسخ ، وما ذكر في نحو هذا عن ابن عباس لا يصح عنه واللّه أعلم ، وقوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا
نزلت في قوم من المنافقين تولوا قوما من اليهود وهم المغضوب عليهم ، وقال الطبري :
ما هُمْ
يريد به المنافقين و
مِنْكُمْ
يريد به المؤمنين و
مِنْهُمْ
يريد به اليهود .
قال القاضي أبو محمد : وهذا التأويل يجري مع قوله تعالى :
مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ
[ النساء : 143 ] ، ومع قوله عليه السلام : « مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين الغنمين لأنه مع المؤمنين بقوله ومع الكافرين بقلبه » ، ولكن هذه الآية تحتمل تأويلا آخر وهو أن يكون قوله
ما هُمْ
يريد به اليهود ، وقوله :
وَلا مِنْهُمْ
يريد به المنافقين فيجيء فعل المنافقين على هذا التأويل أحسن لأنهم تولوا قوما مغضوبا عليهم ليسوا من أنفسهم فيلزمهم ذمامهم ولا من القوم المحقين فتكون الموالاة صوابا . وقوله
يَحْلِفُونَ
يعني المنافقين لأنهم كانوا إذا وقفوا على ما يأتون به من بغض النبي صلى اللّه عليه وسلم وشتمه وموالاة عدوه حلفوا أنهم لا يفعلون ذلك واستسهلوا الحنث ، ورويت من هذا نوازل كثيرة اختصرتها إيجازا وإذا تتبعت في المصنفات وجدت كقول ابن أبي لئن رجعنا إلى المدينة وحلفه على أنه لم يقل وغير