ذلك ، والعذاب الشديد هو عذاب الآخرة . وقرأ جمهور الناس : « أيمانهم » جمع يمين . وقرأ الحسن بن أبي الحسن : « إيمانهم » ، أي يظهرونه من الإيمان والجنة : ما يتستر به ويتقي المحذور ، ومنه المجن : وهو الترس : وقوله
فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
يحتمل أن يكون الفعل غير متعد كما تقول صد زيد ، أي صدوا هم أنفسهم عن سبيل اللّه والإيمان برسوله ، ويحتمل أن يكون متعديا أي صدوا غيرهم من الناس عن الإيمان ممن اقتدى بهم وجرى في مضمارهم ، ويحتمل أن يكون المعنى
فَصَدُّوا
المسلمين عن قتلهم ، وتلك « سبيل
اللَّهِ
» فيهم لكن ما أظهروه من الإيمان صدوا به المسلمين عن ذلك ، والمهين : المذل من الهوان .
قوله عزّ وجل :
[ سورة المجادلة ( 58 ) : الآيات 17 إلى 21 ]
لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 17 ) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ ( 18 ) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 19 ) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ ( 20 ) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 21 )
روي أن المنافقين فخروا بكثرة أموالهم وأولادهم وأظهروا السرور بذلك ، فنزلت الآية معلمة أن ذلك لا غناء له عنهم ولا مدفع بسببه . والعامل في قوله
يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ
،
أَصْحابُ
على تقدير فعل ، وأخبر اللّه تعالى عنهم في هذه الآية أنه ستكون لهم أيمان يوم القيامة وبين يدي اللّه يخيل إليهم بجهلهم أنها تنفعهم وتقبل منهم ، وهذا هو حسابهم
أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ
، أي على فعل نافع لهم ، وقال ابن عباس في كتاب الثعلبي : قال النبي عليه السلام : « ينادي مناد يوم القيامة : أين خصماء اللّه ، فتأتي القدرية مسودة وجوههم زرقة أعينهم ، فيقولون واللّه ما عبدنا شمسا ولا قمرا ولا صنما ولا اتخذنا من دونك وليا » ، قال ابن عباس :
صدقوا واللّه ولكن أتاهم الإشراك من حيث لا يعلمون ، ثم تلا ابن عباس هذه الآية ، وقوله تعالى :
اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ
معناه : تملكهم من كل جهة وغلب على نفوسهم ، وهذا الفعل مما استعمل على الأصل فإن قياس التعليل يقتضي أن يقال : استحاذ ، وحكى الفراء في كتاب اللغات أن عمر رضي اللّه عنه قرأ : « استحاذ » . و
يُحَادُّونَ
معناه : يعطون الحد من الأفعال والأقوال ، وقال بعض أهل المعاني :
معناه يكونون في حد غير الحد الذي شرع اللّه تعالى ، ثم قضى تعالى على محاده بالذل وأخبر أنه كتب فيما أمضاه من قضائه وقدره في الأزل أنه يغلب هو ورسله كل من حاد اللّه والرسل . وقرأ نافع وابن عامر :
« ورسلي » بفتح الياء . وقرأ الباقون بسكونها . وقال الحسن وغيره : ما أمر اللّه تعالى قط رسولا بالقتال إلا وغلبه ، وظفره بقوته وعزته لا رب سواه ، وقال غيره : ومن لم يؤمر بقتال فهو غالب بالحجة .
قوله عزّ وجل :