تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
وقوله تعالى :
وَإِذا جاؤُكَ
الآية ، يريد بذلك ما كانت اليهود تفعله من قولهم في التحية السام عليك يا محمد ، وذلك أنه روي أن اليهود كانت تأتي فتقول : السام عليك يا محمد ، والسام : الموت ، وإياه كانوا يريدون ، فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « وعليكم » ، فسمعتهم عائشة يوما فقالت : بل عليكم السام واللعنة ، فقال رسول اللّه : « مهلا يا عائشة إن اللّه يكره الفحش والتفحش » ، قالت : أما سمعت ما قالوا ؟ قال : « أما سمعت ما قلت لهم ؟ إني قلت وعليكم » . ثم كشف اللّه تعالى خبث طويتهم والحجة التي إليها يستروحون ، وذلك أنهم كانوا يقولون : نحن الآن نلقى محمدا بهذه الأمور التي تسوؤه ولا يصيبنا سوء ، ولا يعاقبنا اللّه بذلك ، ولو كان نبيا لهلكنا بهذه الأقوال ، وجهلوا أن أمرهم مؤخر إلى عذاب جهنم ، فأخبر اللّه بذلك وأنها كافيتهم . وقال ابن عباس : هذه الآية كلها في منافقين ، ويشبه أن من المنافقين من تخلق في هذا كله بصفة اليهود . قوله عزّ وجل :

[ سورة المجادلة ( 58 ) : الآيات 9 إلى 10 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 9 ) إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 10 ) وصى اللّه تعالى المؤمنين في هذه الآية بأن لا يكون لهم تناج في مكروه ، وذلك عام في جميع الناس إلى يوم القيامة . وخص « الإثم » بالذكر لعمومه
وَالْعُدْوانِ
لعظمته في نفسه ، إذ هي ظلامات العباد ، وكذلك
مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ
ذكرها طعنا على المنافقين إذ كان تناجيهم في ذلك . وقرأ جمهور الناس : « فلا تتناجوا » على وزن تتفاعلوا ، وقرأ ابن محيصن « تناجوا » بحذف التاء الواحدة . وقرأ بعض القراء : « فلا تّناجوا » بشد التاء لأنها أدغمت التاء في التاء ، وقرأ الأعمش وأهل الكوفة : « فلا تنتجوا » على وزن تفتعلوا . والناس : على ضم العين من « العدوان » . وقرأها أبو حيوة بكسر العين حيث وقع . وقرأ الضحاك وغيره : « ومعصيات الرسول » على الجمع فيهما . ثم أمر بالتناجي
بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى
، وذكر بالحشر الذي معه الحساب ودخول أحد الدارين وقوله تعالى :
إِنَّمَا النَّجْوى
، ليست
إِنَّمَا
للحصر ولكنها لتأكيد الخبر . واختلف الناس في
النَّجْوى
التي هي
مِنَ الشَّيْطانِ
التي أخبر عنها في هذه الآية ، فقال جماعة من المفسرين أراد :
إِنَّمَا النَّجْوى
في الإثم والعدوان ومعصية الرسول
مِنَ الشَّيْطانِ
، وقال قتادة وغيره : الإشارة إلى نجوى المنافقين واليهود ، وقال عبد اللّه بن زيد بن أسلم : الإشارة إلى نجوى قوم من المسلمين كانوا يقصدون مناجاة النبي عليه السلام ، وليس لهم حاجة ولا ضرورة إلى ذلك ، وإنما كانوا يريدون التبجح بذلك ، وكان المسلمون يظنون أن تلك النجوى في أخبار بعد وقاصد أو نحوه . قال القاضي أبو محمد : وهذان القولان يعضدهما ما يأتي من ألفاظ الآية ، ولا يعضد القول الأول .