تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
وقال عطية العوفي في هذه الآية : نزلت في المنامات التي يراها المؤمن فتسوؤه ، وما يراه النائم فكأنه نجوى يناجى بها . قال القاضي أبو محمد : وهذا قول أجنبي من المعنى الذي قبله والذي بعده . وقرأ نافع وأهل المدينة : « ليحزن » بضم الياء وكسر الزاي ، والفعل مسند إلى
الشَّيْطانِ
، وقرأ أبو عمرو والحسن وعاصم وغيرهم : « ليحزن » بفتح الياء وضم الزاي ، تقول حزنت قلب الرجل : إذا جعلت فيه حزنا ، فهو كقولك كحلت العين ، وهو ضرب من التعدي ، كأن المفعول ظرف . وقد ذكر سيبويه رحمه اللّه هذا النوع من تعدي الأفعال ، وقرأ بعض الناس : « ليحزن » بفتح الياء والزاي . و :
الَّذِينَ
على هذه القراءة رفع بإسناد الفعل إليهم ، يقال حزن الرجل بكسر الزاي . ثم أخبر تعالى أن الشيطان أو التناجي الذي هو منه ليس بضار أحدا إلا أن يكون ضر بإذن اللّه أي بأمره وقدره . ثم أمر بتوكل المؤمنين عليه تبارك وتعالى : وهذا كله يقوي أن التناجي الذي من الشيطان إنما هو الذي وقع منه للمؤمنين خوف ، وللخوف اللاحق للقلوب في هذا قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا يتناجى اثنان دون الثالث » . قوله عزّ وجل :

[ سورة المجادلة ( 58 ) : الآيات 11 إلى 12 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 11 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 12 ) قرأ جمهور الناس : « تفسحوا » ، وقرأ الحسن وداود بن أبي هند : « تفاسحوا » ، وقرأ جمهور القراء : « في المجلس » ، وقرأ عاصم وحده وقتادة وعيسى : « في المجالس » . واختلف الناس في سبب الآية والمقصود بها ، فقال ابن عباس ومجاهد والحسن : نزلت في مقاعد الحرب والقتال . وقال زيد بن أسلم وقتادة : نزلت بسبب تضايق الناس في مسجد النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وذلك أنهم كانوا يتنافسون في القرب منه وسماع كلامه والنظر إليه ، فيأتي الرجل الذي له الحق والسن والقدم في الإسلام فلا يجد مكانا ، فنزلت بسبب ذلك . وقال مقاتل : أقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قوما ليجلس أشياخ من أهل بدر ونحو ذلك فنزلت الآية ، وروى أبو هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا يقم أحد من مجلسه ثم يجلس فيه الرجل ولكن تفسحوا يفسح اللّه لكم » ، وقال بعض الناس : إنما الآية مخصوصة في مجلس النبي صلى اللّه عليه وسلم في سائر المجالس ، ويدل على ذلك قراءة من قرأ : « في المجلس » ، ومن قرأ « في المجالس » فذلك مراده أيضا لأن لكل أحد مجلسا في بيت النبي صلى اللّه عليه وسلم وموضعه فتجمع لذلك ، وقال جمهور أهل العلم : السبب مجلس النبي عليه السلام ، والحكم
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 278 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى