تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢
ضعف ، وإنما الضمير في قوله :
وَضَلَّ عَنْهُمْ
فلا احتمال لعودته إلا على الكفار . و :
آذَنَّاكَ
قال ابن عباس وغيره معناه : أعلمناك
ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ
ولا من يشهد بأن لك شريكا .
وَضَلَّ عَنْهُمْ
أي نسوا ما كانوا يقولون في الدنيا ويدعون من الآلهة والأصنام ، ويحتمل أن يريد :
وَضَلَّ عَنْهُمْ
الأصنام ، أي تلفت لهم فلم يجدوا منها نصرا وتلاشى لهم أمرها . وقوله :
وَظَنُّوا
يحتمل أن يكون متصلا بما قبله ويكون الوقف عليه ، ويكون قوله :
ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ
استئناف نفي أن يكون لهم منجى أو موضع روغان ، يقول : حاص الرجل : إذا راغ يطلب النجاة من شيء ، ومنه الحديث : فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب ، ويكون الظن على هذا التأويل على بابه ، أي ظنوا أن هذه المقالة :
ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ
منجاة لهم ، أو أمر يموهون به ، ويحتمل أن يكون الوقف في قوله :
مِنْ قَبْلُ
، ويكون :
وَظَنُّوا
متصلا بقوله :
ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ
أي ظنوا ذلك ، ويكون الظن على هذا التأويل بمعنى اليقين وبه فسر السدي ، وهذه عبارة يطلقها أهل اللسان على الظن ، ولست تجد ذلك إلا فيما علم علما قويا وتقرر في النفس ولم يتلبس به بعد ، وإلا فمتى تلبس بالشيء وحصل تحت إدراك الحواس فلست تجدهم يوقعون عليه لفظة الظن . وقوله تعالى :
لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ
آيات نزلت في كفار قريش ، قيل في الوليد بن المغيرة ، وقيل في عتبة بن ربيعة ، وجل الآية يعطي أنها نزلت في كفار وإن كان أولها يتضمن خلقا ربما شارك فيه بعض المؤمنين . و :
دُعاءِ الْخَيْرِ
إضافته المصدر إلى المفعول ، والفاعل محذوف تقديره : من دعاء الخير هو . وفي مصحف ابن مسعود : « من دعاء بالخير » . و
الْخَيْرِ
في هذه الآية : المال والصحة ، وبذلك تليق الآية بالكافر ، وإن قدرناه خير الآخرة فهي للمؤمن ، وأما اليأس والقنط على الإطلاق فمن صفة الكافر وحده . وقوله تعالى :
لَيَقُولَنَّ هذا لِي
أي بعلمي وبما سعيت ، ولا يرى أن النعم إنما هي بتفضل من اللّه تعالى :
وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً
قول بيّن فيه الجحد والكفر . ثم يقول هذا الكافر ، ولئن كان ثم رجوع كما تقولون ، لتكونن لي حال ترضيني من غنى ومال وبنين ، فتوعدهم اللّه تعالى بأنه سيعرفهم بأعمالهم الخبيثة مع إذاقتهم العذاب عليها ، فهذا عذاب وخزي . وغلظ العذاب شدته وصعوبته . وقال الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : للكافر أمنيتان ، أما في دنياه فهذه :
إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى
. وأما في آخرته : ف
يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
[ النبأ : 40 ] . قال القاضي أبو محمد : والأماني على اللّه تعالى وترك الجد في الطاعة مذموم لكل أحد ، فقد قال عليه السلام : الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على اللّه . قوله عزّ وجل :

[ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 51 إلى 54 ]

وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ ( 51 ) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ( 52 ) سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( 53 ) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ( 54 )
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 22 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى