تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
على قسمين : أحدهما بين الفساد حتى يرى جوابه ، فعساه يقع في الفاسد المعنى فيبين جهله ، وقد تقدم نظير هذه الآية واستيعاب القول في هذا المعنى ، ولا يتجه هنا أن يقال خاطب على معتقدهم كما يتجه ذلك في قوله :
خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا
[ الفرقان : 24 ] فتأمله . وقوله تعالى :
اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ
وعيد في صيغة الأمر بإجماع من أهل العلم ، ودليل الوعيد ومبينه قوله :
إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
. ثم قال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ
. يريد قريشا . و « الذكر » : القرآن بإجماع . واختلف الناس في الخبر عنهم أين هو ؟ فقالت فرقة : هو في قوله :
أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
[ فصلت : 44 ] ذكر النقاش أن بلال بن أبي بردة سأل عن هذا في مجلسه وقال : لم أجد لها نفاذا ، فقال له أبو عمرو بن العلاء : إنه منك لقريب
أُولئِكَ يُنادَوْنَ
[ فصلت : 44 ] . ويرد هذا النظر كثرة الحائل ، وإن هنالك قوما قد ذكروا بحسن رد قوله :
أُولئِكَ يُنادَوْنَ
[ فصلت : 44 ] عليهم . وقالت فرقة : الخبر مضمر تقديره :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ
هلكوا أو ضلوا . وقال بعض نحويي الكوفة الجواب في قوله :
وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ
حكى ذلك الطبري ، وهو ضعيف لا يتجه ، وسأل عيسى بن عمر عمرو بن عبيد عن هذا ، فقال عمرو معناه في التفسير :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ
كفروا به
وَإِنَّهُ لَكِتابٌ
، فقال عيسى بن عمر : أجدت يا أبا عثمان . قال القاضي أبو محمد : والذي يحسن في هذا هو إضمار الخبر ، ولكنه عند قوم في غير هذا الموضع الذي قدره هؤلاء فيه ، وإنما هو بعد
حَكِيمٍ حَمِيدٍ
وهو أشد إظهارا لمذمة الكفار به ، وذلك أن قوله :
وَإِنَّهُ لَكِتابٌ
داخل في صفة الذكر المكذب به ، فلم يتم ذكر المخبر عنه إلا بعد استيفاء وصفه ، وهذا كما تقول : تخالف زيدا وهو العالم الودود الذي من شأنه ومن أمره ، فهذه كلها أوصاف . ووصف تعالى الكتاب بالعزة ، لأنه بصحة معانيه ممتنع الطعن فيه والإزراء عليه ، وهو محفوظ من اللّه تعالى ، قال ابن عباس : معناه كريم على اللّه تعالى ، قال مقاتل : منيع من الشيطان . قال السدي : غير مخلوق . وقوله :
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ
قال قتادة والسدي : يريد الشيطان ، وظاهر اللفظ يعم الشيطان وأن يجيء أمر يبطل منه شيئا . وقوله :
مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ
معناه ليس فيما تقدمه من الكتب ما يبطل شيئا منه . وقوله :
وَلا مِنْ خَلْفِهِ
أي ليس يأتي بعده من نظر ناظر وفكرة عاقل ما يبطل أشياء منه ، والمراد باللفظ على الجملة : لا يأتيه الباطل من جهة من الجهات . وقوله :
تَنْزِيلٌ
خبر ابتداء ، أي هو تنزيل . وقوله :
ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ
يحتمل معنيين : أحدهما أن يكون تسلية للنبي عليه السلام عن مقالات قومه ، أي ما تلقى يا محمد من المكروه منهم ، ولا يقولون لك من الأقوال المؤلمة إلا ما قد قيل ولقي به من تقدمك من الرسل ، فلتتأسّ بهم ولتمض لأمر اللّه ولا يهمنك شأنهم . والمعنى