ذكر اللّه تعالى الخلق الذميمة من الإنسان جملة ، وهي في الكفار بينه متمكنة ، وأما المؤمن في الأغلب فيشكر عند النعمة ، وكثيرا ما يصبر عند الشدة .
وقرأ جمهور والناس : « ونأى بجانبه » الهمزة عين الفعل . وقرأ ابن عامر : « وناء » الهمزة لام الفعل ، وهي قراءة أبي جعفر ، والمعنى فيهما واحد . قال أبو علي : ناء قلب ابن آدم فعل فلع ، ومنه قول الشاعر [ كثير ] : [ الطويل ]
وكل خليل راءني فهو قائل * من أجلك هذا هامة اليوم أو غد
ومنه قول الآخر : [ الطويل ] وقد شاءني أهل السباق وأمعنوا
وَنَأى
معناه : بعد ولم يمل إلى شكر ولا طاعة .
وقوله :
فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ
أي طويل أيضا ، فاستغنى بالصفة الواحدة عن لزيمتها ، إذ العرض يقتضي الطول ويتضمنه ، ولم يقل طويل ، لأن الطويل قد لا يكون عريضا ، ف
عَرِيضٍ
أدل على الكثرة .
ثم أمر تعالى نبيه أن يقف قريشا على هذا الاحتجاج وموضع تغريرهم بأنفسهم فقال :
أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ
هذا الشرع
مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
وبأمره وخالفتموه أنتم ، ألستم على هلكة من قبل اللّه تعالى ، فمن أضل ممن يبقى على مثل هذا الغرر مع اللّه ، وهذا هو الشقاق ، ثم وعد تعالى نبيه عليه السلام بأنه سيري الكفار آياته .
واختلف المتأولون في معنى قوله :
فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ
فقال المنهال والسدي وجماعة : هو وعد بما يفتحه اللّه تعالى على رسوله من الأقطار حول مكة ، وفي غير ذلك من الأرض كخيبر ونحوها .
وَفِي أَنْفُسِهِمْ
أراد به فتح مكة .
قال القاضي أبو محمد : وهذا تأويل حسن ينتظم الإعلام بغيب ظهر وجوده بعد كذلك ويجري معه لفظ الاستئناف الذي في الفعل .
وقال الضحاك وقتادة :
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ
هو ما أصاب الأمم المكذبة في أقطار الأرض قديما
وَفِي أَنْفُسِهِمْ
يوم بدر ، وقال ابن زيد وعطاء :
الْآفاقِ
: آفاق السماء . وأراد : الآيات : في الشمس والقمر والرياح وغير ذلك .
وَفِي أَنْفُسِهِمْ
عبرة الإنسان بجسمه وحواسه وغريب خلقته وتدريجه في البطن ونحو ذلك ، وهذه آيات قد كانت مرئية ، فليس هذا المعنى يجري مع قوله : « سنري » والتأويل الأول أرجحها ، واللّه أعلم . والضمير في قوله تعالى :
أَنَّهُ الْحَقُّ
عائد على الشرع والقرآن ، فبإظهار اللّه إياه وفتح البلاد عليه تبين لهم أنه الحق .