تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
هذه
النَّاقَةِ
التي اقترحوها أن تخرج لهم من صخرة صماء من الجبل ، وقد تقدم قصصها ، فأخبر اللّه تعالى صالحا على جهة التأنيس أنه يخرج لهم الناقة ابتلاء واختبارا ، ثم أمره بارتقاب الفرج وبالصبر .
وَاصْطَبِرْ
أصله : اصتبر . افتعل ، أبدلت التاء طاء لتناسب الصاد . ثم أمره بأن يخبر ثمود
أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ
: و
الْماءَ
: هو ماء البئر التي كانت لهم ، واختلف المتأولون في معنى هذه القسمة ، فقال جمهور منهم
قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ
: يتواسونه في اليوم الذي لا ترده الناقة وذلك فيما روي أن الناقة كانت ترد البئر غبا ، وتحتاج جميع مائه يومها ، فنهاهم اللّه عن أن يستأثر أهل اليوم الذي لا ترد الناقة فيه بيومهم ، وأمرهم بالتواسي مع الذين ترد الناقة في يومهم . وقال آخرون معناه : الماء بين جميعهم وبين الناقة قسمة . و :
مُحْتَضَرٌ
معناه : محضور مشهود متواسى فيه ، وقال مجاهد المعنى :
كُلُّ شِرْبٍ
أي من الماء يوما ومن لبن الناقة يوما
مُحْتَضَرٌ
لهم ، فكأنه أنبأهم اللّه عليهم في ذلك . و :
صاحِبَهُمْ
هو قدار بن سالف ، وبسببه سمي الجزار القدار لشبه في الفعل ، قال الشاعر [ عدي بن ربيعة ] : [ الكامل ]
إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهم * ضرب القدار نقيعة القدام
وقد تقدم شرح أمر قدار بن سالف . و : « تعاطى » مطاوع عاطى ، فكأن هذه الفعلة تدافعها الناس وأعطاها بعضهم بعضا ، فتعاطاها هو وتناول العقر بيده ، قاله ابن عباس ، ويقال للرجل الذي يدخل نفسه في تحمل الأمور الثقال متعاط على الوجه الذي ذكرناه ، والأصل عطا يعطو ، إذا تناول ، ثم يقال : عاطى ، وهو كما تقول : جرى وجارى وتجارى وهذا كثير ، ويروى أنه كان مع شرب وهم التسعة الرهط ، فاحتاجوا ماء فلم يجدوه بسبب ورد الناقة ، فحمله أصحابه على عقرها . ويروى أن ملأ القبيل اجتمع على أن يعقرها ، ورويت أسباب غير هذين ، وقد تقدم ذلك . والصيحة : يروى أن جبريل عليه السلام صاحها في طرف من منازلهم فتفتتوا وهمدوا
فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ
. والهشيم : ما تفتت وتهشم من الأشياء . وقرأ جمهور الناس : « كهشيم المحتظر » بكسر الظاء ، ومعناه : الذي يصنع حظيرة من الرعاء ونحوهم قاله أبو إسحاق السبيعي والضحاك وابن زيد ، وهي مأخوذة من الحظر وهو المنع ، والعرب وأهل البوادي يصنعونها للمواشي وللسكنى أيضا من الأغصان والشجر المورق والقصب ونحوه ، وهذا كله هشيم يتفتت إما في أول الصنعة ، وإما عند بلى الحظيرة وتساقط أجزائها . وحكى الطبري عن ابن عباس وقتادة أن « المحتظر » معناه : المحترق . قال قتادة : كهشيم محرق . وقرأ الحسن بن أبي الحسن وأبو رجاء : « المحتظر » بفتح الظاء ، ومعناه : الموضع الذي احتظر ، فهو مفعل من الحظر ، أو الشيء الذي احتظر به . وقد روي عن سعيد بن جبير أنه فسر :
كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ
بأن قال : هو التراب الذي سقط من الحائط البالي ، وهذا متوجه ، لأن الحائط حظيرة ، والساقط هشيم . وقال أيضا هو وغيره :
الْمُحْتَظِرِ
، معناه : المحرق بالنار ،
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 218 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى