تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
وقال منذر بن سعيد : إن المعنى هو القسم بجهنم وسماها بحرا لسعتها وتموجها كما قال صلى اللّه عليه وسلم في الفرس : « وإن وجدناه لبحر » والقسم واقع على قوله :
إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ
ويريد عذاب الآخرة للكفار . قال قتادة : والعامل في :
يَوْمَ
« واقع » ويجوز أن يكون العامل فيه
دافِعٍ
، والأول أبين . وقال مكي : لا يعمل فيه
دافِعٍ
. و :
تَمُورُ
معناه : تذهب وتجيء بالرياح متقطعة متفتتة ، والغبار الموار : الذي يجتمع ويذهب ويجيء بالريح ، ثم هو كله إلى الذهاب ، ومنه قول الأعرابي : وغادرت التراب مورا يصف سنة قحط . وأنشد معمر بن المثنى بيت الأعشى : [ البسيط ] مور السحابة لا ريث ولا عجل أراد مضيها ، وقال الضحاك :
تَمُورُ
تموج . وقال مجاهد : تدور . وقال ابن عباس : تشقق ، وهذه كلها تفاسير بالمعنى ، لأن السماء العلو يعتريها هذا كله ، وسير الجبال هو في أول الأمر ، ثم تتفتت أثناء السير حتى تصير آخرا كالعهن المنفوش والفاء في قوله :
فَوَيْلٌ
عاطفة جملة على جملة وهي تتضمن ربط المعنى وتأكيده وإثبات الويل للمكذبين . والويل : السوء والمشقة والهم الأطول ، ويروى أن في جهنم واديا يسمى : ويلا والخوض التخبط في الأباطيل ، يشبه بخوض الماء ، ومنه قوله تعالى :
وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا
[ الأنعام : 68 ] و :
يَوْمَ
الثاني بدل من :
يَوْمَئِذٍ
و :
يُدَعُّونَ
قال ابن عباس معناه : يدفعون في أعناقهم بشدة وإهانة وتعتعة ، ومنه قوله تعالى :
يَدُعُّ الْيَتِيمَ
[ الماعون : 2 ] وفي الكلام محذوف مختصر تقديره : يقال لهم هذه النار ، وإخبارهم بهذا على جهة التوبيخ والتقريع وقرأ أبو رجاء العطاردي : « يوم يدعون إلى نار جهنم » من الدعاء بسكون الدال وفتح العين . قوله عزّ وجل :

[ سورة الطور ( 52 ) : الآيات 15 إلى 20 ]

أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ ( 15 ) اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 16 ) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ ( 17 ) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ ( 18 ) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 19 ) مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ( 20 ) لما قيل لهم هذه النار ، وقفوا بعد ذلك على الجهتين التي يمكن منها دخول الشك في أنها النار وهي إما أن يكون ثم سحر يلبس ذات المرء ، وإما أن يكون في بصر الناظر اختلال ، وأمرهم بصليها على جهة التقريع ، ثم قيل لهم على جهة قطع رجائهم : اصبروا
أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ
أي عذابكم حتم ، فسواء جزعكم وصبركم لا بد من جزاء أعمالكم . وقوله تعالى :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ
الآية يحتمل أن يكون خطاب أهل النار ، فيكون إخبارهم بذلك زيادة في غمهم وسوء حالهم ، ويحتمل وهو الأظهر أن يكون إخبارا لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ومعاصريه لما فرغ من ذكر عذاب الكفار عقب ذلك بنعيم
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 187 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى