قوله عزّ وجل :
[ سورة محمد ( 47 ) : الآيات 33 إلى 35 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ ( 33 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ( 34 ) فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ ( 35 )
روي أن هذه الآية نزلت في بني أسد من العرب ، وذلك أنهم أسلموا وقالوا لرسول اللّه عليه السلام :
نحن قد آثرناك على كل شيء وجئناك بنفوسنا وأهلنا ، كأنهم منوا بذلك ، فنزل فيهم :
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا
[ الحجرات : 17 ] ونزلت فيهم هذه الآية .
قال القاضي أبو محمد : فإن كان هذا فالإبطال الذي نهوا عنه ليس بمعنى الإفساد التام ، لأن الإفساد التام لا يكون إلا بالكفر ، وإلا فالحسنات لا تبطلها المعاصي ، وإن كانت الآية عامة على ظاهرها نهي الناس عن إبطال أعمالهم بالكفر ، والإبطال هو الإفساد التام .
وقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ
روي أنها نزلت بسبب عدي بن حاتم قال : يا رسول اللّه إن حاتما كانت له أفعال بر فما حاله ؟ فقال رسوله اللّه صلى اللّه عليه وسلم « هو في النار » ، فبكى عدي وولى ، فدعاه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال له : أبي وأبوك وأبو إبراهيم خليل الرحمن في النار ونزلت هذه الآية في ذلك ، وظاهر الآية العموم في كل ما تناولته الصفة .
وقوله تعالى :
فَلا تَهِنُوا
معناه : فلا تضعفوا ، من وهن الرجل إذا ضعف .
وقرأ جمهور الناس : « وتدعوا » وقرأ أبو عبد الرحمن : « وتدّعوا » بشد الدال . وقرأ جمهور القراء : « إلى السلم » بفتح السين . وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم : « إلى السلم » بكسر السين . وهي قراءة الحسن وأبي رجاء والأعمش وعيسى وطلحة وهو بمعنى المسالمة . وقال الحسن بن أبي الحسن وفرقة ممن كسر السين إنه بمعنى إلى الإسلام ، أي لا تهنوا وتكونوا داعين إلى الإسلام فقط دون مقاتلين بسببه . وقال قتادة معنى الآية : لا تكونوا أول الطائفتين ضرعت للأخرى .
قال القاضي أبو محمد : وهذا حسن ملتئم مع قوله :
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها
[ الأنفال : 61 ] .
وقوله :
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ
يحتمل موضعين أحدهما : أن يكون في موضع الحال ، المعنى : لا تهنوا وأنتم في هذه الحال . والمعنى الثاني : أن يكون إخبارا بنصره ومعونته . و « يتر » ، معناه ينقص ويذهب ، ومنه قوله عليه السلام : « من ترك صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله » أي ذهب بجميع ذلك على جهة التغلب والقهر ، والمعنى : لن يتركم ثواب أعمالكم وجزاء أعمالكم . واللفظة مأخوذة من الوتر الذي هو الدحل ، وذهب قوم إلى أنه مأخوذ من الوتر الذي هو الفرد ، المعنى لن يفردكم من ثواب أعمالكم ، والأول أصح ، وفسر ابن عباس وأصحابه
يَتِرَكُمْ
بيظلمكم .