تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

سورة الفتح

هذه السورة نزلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منصرفه من الحديبية ، وفي ذلك أحاديث كثيرة عن أنس وابن مسعود وغيرهما تقتضي صحته وهي بهذا في حكم المدني . وقال الزهراوي عن مجاهد وعن ابن عباس : إنها نزلت بالمدينة ، والأول أصح ، ويشبه أن منها بعضا نزل بالمدينة ، وأما صدر السورة ومعظمها فكما قلنا ، ويقضي بذلك قول النبي عليه السلام لعمر وهما في تلك السفرة : « لقد نزلت عليّ الليلة سورة هي أحب إليّ من الدنيا وما فيها » . قال القاضي أبو محمد : ذكر مكي هنا أن المعنى بشرط أن تبقى الدنيا ولا تفنى ، وفي هذا نظر . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خرج في تلك الوجهة ليعتمر بمكة ، فصده المشركون ، القصة المشهورة سنة ست من الهجرة . قوله عزّ وجل :

[ سورة الفتح ( 48 ) : الآيات 1 إلى 4 ]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ( 1 ) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 2 ) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً ( 3 ) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 4 ) قال قوم فيما حكى الزهراوي
فَتَحْنا لَكَ
يريد به فتح مكة ، وحكاه الثعلبي أيضا ، ونسبه النقاش إلى الكلبي . وأخبره تعالى به على معنى : قضينا به . والفتاح : القاضي بلغة اليمن ، وقيل المراد :
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ
بأن هديناك إلى الإسلام ليغفر . وقال جمهور الناس : والصحيح الذي تعضده قصة الحديبية أن قوله :
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ
إنما معناه : إن ما يسر اللّه لك في تلك الخرجة فتح مبين تستقبله ، ونزلت السورة مؤنسة للمؤمنين ، لأنهم كانوا استوحشوا من رد قريش لهم ومن تلك المهادنة التي هادنهم النبي عليه السلام فنزلت السورة مؤنسة لهم في صدهم عن البيت ومذهبه : ما كان في قلوبهم ، ومنه حديث عمر الشهير وما قاله للنبي عليه السلام ولأبي بكر واستقبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في تلك السفرة أنه هادن عدوه ريثما يتقوى هو ، وظهرت على يديه آية الماء في بئر الحديبية حيث وضع فيه سهمه وثاب الماء حتى كفى الجيش ، واتفقت بيعة الرضوان وهي الفتح الأعظم ، قاله جابر بن عبد اللّه والبراء بن عازب . وبلغ هديه محله ، قاله الشعبي واستقبل فتح خيبر ، وامتلأت أيدي المؤمنين خيرا ، ولم يفتحها إلا أهل الحديبية ولم يشركهم فيها أحد .