تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
ومقصده ، وهذا هو كما يقول لك إنسان معتقده وتفهم أنت من مقاطع كلامه وهيئته وقرائن أمره أنه على خلاف ما يقول ، وهذا معنى قوله :
فِي لَحْنِ الْقَوْلِ
ومن هذا المعنى قول النبي عليه السلام : « فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض » ، الحديث أي أذهب بها في جهات الكلام ، وقد يكون هذا اللحن متفقا عليه : أن يقول الإنسان قولا يفهم السامعون منه معنى ، ويفهم الذي اتفق مع المتكلم معنى آخر ، ومنه الحديث الذي قال سعد بن معاذ وابن رواحة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : عضل والقارة وفي هذا المعنى قول الشاعر [ مالك بن أسماء ] : [ الخفيف ] وخير الحديث ما كان لحنا أي ما فهمه عنك صاحبك وخفي على غيره ، فأخبر اللّه محمدا رسوله عليه السلام أن أقوالهم المحرقة التي هي على خلاف عقدهم ستتبين له فيعرفهم بها ، واحتج بهذه الآية من جعل في التعريض بالقذف . وقوله تعالى :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ
مخاطبة للجميع من مؤمن وكافر . وقرأ جمهور القراء : « ولنبلونكم » بالنون ، وكذلك « نعلم » وكذلك « نبلوا » ، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر : « وليبلونكم اللّه » ، وكذلك « يعلم » « ويبلو » . وروى رويس عن يعقوب : « ويبلو » بالرفع على القطع والإعلام بأن ابتلاءه دائم . وكان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية بكى ، وقال : اللهم لا تبتلنا ، فإنك إن ابتليتنا فضحتنا وهتكت أستارنا . وقوله تعالى :
حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ
أي حتى يعلمهم مجاهدين قد خرج جهادهم إلى الوجود وبان تكسبهم الذي به يتعلق ثوابهم ، وعلم اللّه بالمجاهدين قديم أزلي ، وإنما المعنى ما ذكرناه . وقوله تعالى :
وَصَدُّوا
يحتمل أن يكون المعنى :
وَصَدُّوا
غيرهم ، ويحتمل أن يكون غير متعد ، بمعنى : وصدوهم في أنفسهم . وقوله :
وَشَاقُّوا الرَّسُولَ
معناه : خالفوه ، فكانوا في شق وهو في شق . وقوله :
مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى
قالت فرقة : نزلت في قوم من بني إسرائيل فعلوا هذه الأفاعيل بعد تبينهم لأمر محمد عليه السلام من التوراة . وقالت فرقة : نزلت في قوم من المنافقين حدث النفاق في نفوسهم بعد ما كان الإيمان داخلها . وقال ابن عباس : نزلت في المطعمين سفرة بدر ، و : « تبين الهدى » هو وجوده عند الداعي إليه . وقالت فرقة : بل هي عامة في كل كافر ، وألزمهم أنه قد
تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى
من حيث كان الهدى بينا في نفسه ، وهذا كما تقول لإنسان يخالفك في احتجاج على معنى التوبيخ له : أنت تخالف في شيء لا خفاء به عليك ، بمعنى أنه هكذا هو في نفسه . وقوله :
لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ
تحقير لهم . وقوله :
وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ
إما على قول من يرى أن أعمالهم الصالحة من صلة رحم ونحوه تكتب فيجيء هذا الإحباط فيها متمكنا ، وإما على قول من لا يرى ذلك ، فمعنى
وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ
أنها عبارة عن إعدامه أعمالهم وإفسادها ، وأنها لا توجد شيئا منتفعا به ، فذلك إحباط على تشبيه واستعارة .
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 121 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى