تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
يحضرون عند النبي عليه السلام فيسمعون كلامه وتلاوته ، فإذا خرجوا قال بعضهم لمن شاء من المؤمنين الذين عملوا وانتفعوا
ما ذا قالَ آنِفاً
فكان منهم من يقول هذا استخفافا ، أي ما معنى ما قال وما نفعه وما قدره ؟ ومنهم من كان يقول ذلك جهالة ونسيانا ، لأنه كان في وقت الكلام مقبلا على فكرته في أمر دنياه وفي كفره ، فكان القول يمر صفحا ، فإذا خرج قال :
ما ذا قالَ آنِفاً
، وهذا أيضا فيه ضرب من الاستخفاف ، لأنه كان يصرح أنه كان يقصد الإعراض وقت الكلام ، ولو لم يكن ذلك بقصد لم يبعد أن يجري على بعض المؤمنين . وروي أن عبد اللّه بن مسعود وابن عباس ممن سئل هذا السؤال ، حكاه الطبري عن ابن عباس . وقرأ الجمهور : « آنفا » على وزن فاعل ، وقرأ ابن كثير وحده : « أنفا » على وزن فعل ، وهما اسما فاعل من ائتنف ، وجريا على غير فعلهما ، وهذا كما جرى فقير على افتقر ولم يستعمل فقر ، وهذا كثير ، والمفسرون يقولون : « أنفا » معناه : الساعة الماضية القريبة منا ، وهذا تفسير بالمعنى . ثم أخبر تعالى أنه
طَبَعَ
على قلوب هؤلاء المنافقين الفاعلين لهذا ، وهذا الطبع يحتمل أن يكون حقيقة ، ويحتمل أن يكون استعارة وقد تقدم القول فيه . قوله عزّ وجل :

[ سورة محمد ( 47 ) : الآيات 17 إلى 19 ]

وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ ( 17 ) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ ( 18 ) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ ( 19 ) لما ذكر تعالى المنافقين بما هم أهله من قوله :
أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ
[ محمد : 16 ] عقب ذلك بذكر المؤمنين ليبين الفرق ، وشرفهم بإسناد فعل الاهتداء إليهم وهي إشارة إلى تكسبهم . وقوله تعالى :
زادَهُمْ هُدىً
يحتمل أن يكون الفاعل في
زادَهُمْ
اللّه تعالى ، والزيادة في هذا المعنى تكون إما بزيادة التفهيم والأدلة ، وإما بورود الشرائع والنواهي والأخبار فيزيد الاهتداء لتزيد علم ذلك كله والإيمان به وذلك بفضل اللّه تعالى ، ويحتمل أن يكون الفاعل في :
زادَهُمْ
قول المنافقين واضطرابهم ، لأن ذلك مما يتعجب المؤمن منه ويحمد اللّه على إيمانه ، ويتزيد بصيرة في دينه ، فكأنه قال : المهتدون والمؤمنون زادهم فعل هؤلاء المنافقين هدى ، أي كانت الزيادة بسببه ، فأسند الفعل إليه ، وقالت فرقة : إن هذه الآية نزلت في قوم من النصارى ، آمنوا بمحمد فالفاعل في :
زادَهُمْ
محمد عليه السلام كان سبب الزيادة فأسند الفعل إليه . وقوله على هذا القول :
اهْتَدَوْا
يريد في إيمانهم بعيسى عليه السلام ثم
زادَهُمْ
محمد
هُدىً
حين آمنوا به . والفاعل في
آتاهُمْ
يتصرف بحسب التأويلات المذكورة ، وأقواها أن الفاعل اللّه تعالى .
وَآتاهُمْ
معناه : أعطاهم ، أي جعلهم متقين له ، فالتقدير : تقواهم إياه .