على قصة واضحة وعقيدة نيرة بينة ، ويحتمل أن يكون المعنى على أمر بين ودين بين ، وألحق الهاء للمبالغة : كعلامة ونسابة . والذي يسند إليه قوله :
زُيِّنَ
الشيطان . واتباع الأهواء : طاعتها كأنها تذهب إلى ناحية والمرء يذهب معها .
واختلف الناس في قوله تعالى :
مَثَلُ الْجَنَّةِ
الآية ، فقال النضر بن شميل وغيره :
مَثَلُ
معناه صفة ، كأنه قال صفة الجنة ما تسمعون فيها كذا وكذا ، وقال سيبويه : المعنى فيما يتلى عليكم مثل الجنة .
ثم فسر ذلك الذي يتلى بقوله : فيها كذا وكذا .
قال القاضي أبو محمد : والذي ساق أن يجعل
مَثَلُ
بمثابة صفة هو أن الممثل به ليس في الآية ، ويظهر أن القصد في التمثيل هو إلى الشيء الذي يتخيله المرء عند سماعه فيها كذا وكذا فإنه يتصور عند ذلك بقاعا على هذه الصورة وذلك هي
مَثَلُ الْجَنَّةِ
ومثالها ، وفي الكلام حذف يقتضيه الظاهر ، كأنه يقول :
مَثَلُ الْجَنَّةِ
ظاهر في نفس من وعى هذه الأوصاف . وقرأ علي بن أبي طالب : « مثال الجنة » .
وقرأ علي بن أبي طالب أيضا وابن عباس : « أمثال الجنة » . وعلى هذه التأويلات كلها ففي قوله :
كَمَنْ هُوَ خالِدٌ
حذف تقديره : أساكن هذه ، أو تقديره : أهؤلاء إشارة إلى المتقين ، ويحتمل عندي أيضا أن يكون الحذف في صدر الآية . كأنه قال : أمثل أهل الجنة
كَمَنْ هُوَ خالِدٌ
، ويكون قوله :
مَثَلُ
مستفهما عنه بغير ألف الاستفهام ، فالمعنى : أمثل أهل الجنة ، وهي بهذه الأوصاف
كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ
فتكون الكاف في قوله :
كَمَنْ
مؤكدة في التشبيه ، ويجيء قوله :
فِيها أَنْهارٌ
في موضع الحال على هذا التأويل . و
ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ
معناه غير متغير ، قاله ابن عباس وقتادة ، وسواء أنتن أو لم ينتن ، يقال : أسن الماء : بفتح السين ، وأسن بكسرها .
وقرأ جمهور القراء : « آسن » على وزن فاعل . وقرأ ابن كثير : « أسن » ، على وزن فعل ، وهي قراءة أهل مكة ، والأسن أيضا هو الذي يخشى عليه من ريح منتنة من ماء ، ومنه قول الشاعر :
التارك القرن مصرا أنامله * يميل في الرمح ميل المائح الأسن
وقال الأخفش :
آسِنٍ
لغة : والمعنى الإخبار به عن الحال ، ومن قال : « آسن » على وزن فاعل ، فهو يريد به أن يكون كذلك في المستقبل فنفى ذلك في الآية . وقرأت فرقة : « غير يسن » ، بالياء . قال أبو علي : وذلك على تخفيف الهمزة ، قال أبو حاتم عن عوف : كذلك كانت في المصحف : « يسن » ، فغيرها الحجاج .
وقوله : في اللبن
لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ
نفي لجميع وجوه الفساد في اللبن وقوله :
لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ
جمعت طيب المطعم وزوال الآفات من الصداع وغيره و
لَذَّةٍ
نعت على النسب ، أي ذات لذة . وتصفية العسل مذهبة لمومه وضرره . وقوله :
مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ
أي من هذه الأنواع ، لكنها بعيدة الشبه ، إذ تلك لا عيب فيها ولا تعب بوجه . وقوله :
وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ
معناه : وتنعيم أعطته المغفرة وسببته ، فالمغفرة إنما هي قبل الجنة ، وقوله :
وَسُقُوا
الضمير عائد على « من » لأن المراد به جمع .
وقوله تعالى :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ
يعني بذلك المنافقين من أهل المدينة ، وذلك أنهم كانوا