فيها ولا لافتراق الأبدان منها ؛ كقوله « 1 » :
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
؛ فإذا عقد ولم يبرم لم يكن وفاء ، وإذا عقد ورجع عن عقده لم يكن بين الكلام والسكوت فرق ، بل السكوت خير منه ، لأنه تعب « 2 » ولا التزم ولا أخبر عن شيء ، فتبيّن الأمر ، وتقدّم العذر ، وإذا عقد وحلّ بعد ذلك كان كلامه تعبا ولغوا ، وما الإنسان لولا اللسان ، وقد أخبر بلسانه عن عقده ورضاه ، فأىّ شيء بقي بعد هذا ؟
وكذلك قوله في آية الدّين « 3 » :
وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ
، فإذا أملى وكتب وأعطى الأجرة ثم عاد ومحا ما كتب كان تلاعبا وفسخا لعقد آخر قد تقرّر .
وكذلك قال « 4 » :
وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً
، وإذا حلّه فقد بخسه كلّه .
وكذلك قال « 5 » :
وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ
. وعلى أي شيء يشهدون ؟
ولم يلزم عقد ولا انبرم أمر .
وكذلك قوله :
وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ
يلزم منه ما لزم من قوله :
وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ
. وكذلك قوله « 6 » :
فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ
فيضيف عقدا إلى غير عقد ، ويرتهن إلى غير واجب ؛ واعتبار خيار المجلس وحده مبطل لهذا كله ، فأىّ الأمرين أولى أن يراعى ؟ وأي الحالين أقوى أن يعتبر ؟
فإن قيل : أمر اللّه تعالى بالكتابة والإشهاد محمول على الغالب في أن المتبايعين لا يفترقان حتى ينقضي ذلك كله .
قلنا : الغالب ضدّه ، وكيف يتصوّر بقاء الشهود حتى يقوم « 7 » المتعاقدان ؟ هذا لم يعهد « 8 » ولم يتفق .
فإن تعلّقوا بخبر ابن عمر وغيره في خيار المجلس فهذا خروج عن القرآن إلى الأخبار وقد تكلمنا على ذلك في مسائل الخلاف بما يجب ، فلا ندخله في غير موضعه .
هامش
( 1 ) سورة المائدة ، آية 1
( 2 ) في ا : لم يتعب . والمثبت من ل .
( 3 - 4 - 5 ) سورة البقرة آية 282
( 6 ) سورة البقرة ، آية 283 .
( 7 ) في ا : حتى يقدم .
( 8 ) في ا : لم يعمد . وهو تحريف .