المسألة الرابعة - انقسم الخلق بحكم الخالق وحكمته وإرادته ومشيئته وقضائه وقدره حين سمعوا هذه الآية أقساما وتفرّقوا فرقا ثلاثة :
الفرقة الأولى - الرذلى ؛ قالوا : إنّ ربّ محمد فقير محتاج إلينا ، ونحن أغنياء ؛ وهذه جهالة لا تخفى على ذي لبّ ؛ وقد ردّ اللّه تعالى عليهم بقوله « 1 » :
لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ ، سَنَكْتُبُ ما قالُوا
؛ والعجب من معاندتهم مع خذلانهم ؛ وفي التوراة نظير هذه الألفاظ .
الفرقة الثانية - لمّا سمعت هذا القول آثرت الشحّ والبخل ، وقدمت الرغبة في المال ؛ فما أنفقت في سبيل اللّه ، ولا فكّت أسيرا ، ولا أغاثت أحدا ؛ تكاسلا عن الطاعة وركونا إلى هذه الدار .
الفرقة الثالثة - لما سمعت بادرت إلى امتثاله ، وآثر المجيب منهم بسرعة بماله ،
أوّلهم أبو الدّحداح لما سمع هذا جاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : يا نبىّ اللّه ؛ ألا أرى ربّنا يستقرض مما أعطانا لأنفسنا ، ولي أرضان : أرض بالعالية وأرض بالسافلة ، وقد جعلت خيرهما صدقة . فقال النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم : كم عذق « 2 » مذلّل لأبى الدحداح في الجنة .
فانظروا إلى حسن فهمه في قوله : يستقرض مما أعطانا لأنفسنا ، وجوده بخير ماله وأفضله ؛ فطوبى له ! ثم طوبى له ! ثم طوبى له ! ثم طوبى له ! المسألة الخامسة - القرض يكون من المال ويكون من العرض ،
قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في مشهور الآثار : أيعجز أحدكم أن يكون كأبى ضمضم ، كان إذا خرج من بيته قال : اللهم إني قد تصدقت بعرضي على عبادك .
وروى عن ابن عمر : أقرض من عرضك ليوم فقرك ، يعنى من سبّك فلا تأخذ منه حقّا ، ولا تقم عليه حدّا ، حتى تأتى « 3 » يوم القيامة موفّر الأجر .
وقال أبو حنيفة : لا يجوز التصدّق بالعرض ؛ لأنه حقّ للّه تعالى ، وهذا فاسد ؛
قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الصحيح : إنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ، آية 181
( 2 ) العذق - بالفتح : النخلة ، وبالكسر : العرجون بما فيه من الشماريخ ، ويجمع على عذاق ( النهاية ) .
( 3 ) في ا : يأتي .