الآية الموفية ثمانين - قوله تعالى « 1 » :
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً ، وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
.
فيها خمس مسائل :
المسألة الأولى - القرض في اللغة : القطع ، والمعنى من يقطع اللّه جزءا من ماله فيضاعف له ثوابه أضعافا كثيرة ، إلّا أنه في الشرع مخصوص بالسلف على عادة الشّرع في أن يجرى على أسلوب اللغة في تخصيص الاسم ببعض محتملاته ، كما أنّ القراض « 2 » مخصوص بالمضاربة ؛ كأنّ هذا سلف ماله ، وهذا سلف عمله ؛ فصارا متسالفين ، فسمى قراضا . وقيل متقارضان .
المسألة الثانية - جاء هذا الكلام في معرض الندب والتحضيض على إنفاق المال في ذات اللّه تعالى على الفقراء المحتاجين ، وفي سبيل اللّه بنصرة الدين ، وكنى اللّه سبحانه عن الفقير بنفسه العليّة المنزّهة عن الحاجات ترغيبا في الصدقة ، كما كنى عن المريض والجائع والعاطش بنفسه المقدّسة عن النقائص والآلام ؛
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : يقول اللّه تعالى :
عبدي مرضت فلم تعدني ، يقول « 3 » : وكيف تمرض وأنت ربّ العالمين ؟ فيقول : مرض عبدي فلان ولو عدته لوجدتني عنده ، ويقول : جاع عبدي فلان ولو أطعمته لوجدتني عنده ؛ ويقول : عطش عبدي فلان ولو سقيته لوجدتني عنده .
وهذا كلّه خرج مخرج التشريف لمن كنى عنه ترغيبا لمن خوطب به .
المسألة الثالثة - قال قوم : المراد بالآية الإنفاق في سبيل اللّه تعالى ؛ لأنه قال قبلها « 4 » :
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
؛ فهذا الجهاد بالبدن ، ثم قال بعده :
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً
؛ فهذا الجهاد بالمال .
وقد قال النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم « 5 » : من جهّز غازيا فقد غزا ، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا .
والصحيح عندي ما قاله الحسن من أنه في أبواب البرّ كلّها ولا يردّ عمومه ما تقدّمه من ذكر الجهاد .
هامش
( 1 ) الآية الخامسة والأربعون بعد المائتين .
( 2 ) القراض : المضاربة في لغة أهل الحجاز .
( 3 ) في ا : بقوله .
( 4 ) سورة البقرة ، آية 244
( 5 ) مسلم : 1507