وقال في الصحيح من رواية ابن عمر في حال الخوف « 1 » : فإن كان خوف أكثر من ذلك صلّوا قياما وركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها .
وقد صلّى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم صلاة الخوف مرارا متعددة بصفات مختلفة ، وقد مهّدناها في كتب الحديث .
والمقصود من ذلك أن تفعل الصلاة كيفما أمكن ، ولا تسقط بحال حتى لو لم يتفق فعلها إلا بالإشارة بالعين للزم فعلها ؛ كذلك إذا لم يقدر على حركة سائر الجوارح ، وبهذا المعنى تميّزت عن سائر العبادات ؛ فإنّ العبادات كلّها تسقط بالأعذار ، ويترخّص فيها بالرخص الضعيفة ؛ ولذلك قال علماؤنا ، وهي مسألة عظمى : إنّ تارك الصلاة يقتل ؛ لأنها أشبهت الإيمان الذي لا يسقط بحال . وقالوا فيها : إحدى دعائم الإسلام ، لا تجوز النيابة فيها ببدن ولا مال ، يقتل « 2 » تاركها ، وأصله الشهادتان .
وقد قال أبو حنيفة : إنّ القتال يفسد الصلاة ؛ وقد قدمنا من طريق ابن عمر الردّ عليه ، وظاهر الآية أقوى دليل عليه .
الآية الثامنة والسبعون - قوله تعالى « 3 » :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ
.
فيها مسألتان :
المسألة الأولى - في سبب نزولها :
فيه قولان :
أحدهما - أنّ بني إسرائيل لما سلّط عليهم رجز الطاعون ، ومات منهم عدد كثير ، خرجوا هاربين من الموت ، فأماتهم اللّه تعالى مدة ، عقوبة لهم ، ثم أحياهم آية ؛ وميتة العقوبة بعدها حياة ، وميتة الأجل لا حياة بعدها .
الثاني - روى أنه كتب عليهم القتال فتركوه وخرجوا فارّين منه .
المسألة الثانية - الأصحّ والأشهر أنّ خروجهم إنما كان فرارا من الطاعون ، وهذا حكم باق في ملّتنا لم يتغيّر .
هامش
( 1 ) صحيح مسلم : 574
( 2 ) في ل : فيقتل .
( 3 ) الآية الثالثة والأربعون بعد المائتين .