ويروى أنّ عمر رضى اللّه عنه كان إذا صلّى الصبح « 1 » دخل مربدا له ، فأرسل إلى فتيان قد قرءوا القرآن ، متهم ابن عباس وابن أخي عنبسة فقرءوا القرآن ، فإذا كانت القائلة انصرفوا .
قال : فمرّوا بهذه الآية « 2 » :
وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ . وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ
.
فقال ابن عباس لبعض من كان إلى جانبه : اقتتل الرجلان . فسمع عمر رضى اللّه عنه ما قال ، فقال : أىّ شيء قلت ؟ قال : لا شيء . قال : ما ذا قلت ؟ قال : فلما رأى ذلك ابن عباس قال :
أرى هذا أخذته العزّة بالإثم من أمره بتقوى اللّه ، فيقول هذا : وأنا أشرى نفسي ابتغاء مرضاة اللّه فيقاتله ، فاقتتل الرجلان . فقال عمر : للّه تلادك « 3 » يا بن عبّاس .
المسألة الثانية - هذا كلّه من الأقوال ، لا امتناع في أن يكون مرادا بالآية ، داخلا في عمومها ، إلّا أنّ منه متّفقا عليه ، ومنه مختلف فيه ؛ أمّا القول : إنها في الجهاد والهجرة فلا خلاف فيه . وأما اقتحام القتال فمختلف فيه تقدّم أنّ الصحيح جوازه ، وكذلك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إذا خاف منه المرء على نفسه سقط فرضه بغير خلاف ، وهل يستحبّ له اقتحام الغرر « 4 » فيه وتعريض النّفس للإذاية أو الهلكة ؟ مختلف فيه .
وعموم هذه الآية دليل عليه ، وسيأتي بيانه في موضعه إن شاء اللّه تعالى .
الآية الثالثة والخمسون - قوله تعالى « 5 » :
يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ ؟ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
.
فيها قولان :
أحدهما - أنها منسوخة بآية الزكاة كما تقدّم في غيرها ؛ فإنّ الزكاة كانت موضوعة أوّلا في الأقربين ، ثم بيّن اللّه مصرفها في الأصناف الثمانية .
الثاني - أنها مبيّنة مصارف صدقة التطوّع ، وهو الأولى ؛ لأنّ النسخ دعوى ، وشروطه معدومة هنا ؛ وصدقة التطوع في الأمرين أفضل منها في غيرهم ، يدلّ عليه ما
روى الأئمة
هامش
( 1 ) في ا : السبحة . والسبحة : النافلة .
( 2 ) الآيتان السادسة والسابعة بعد المائتين .
( 3 ) تلادى : أول ما أخذته وتعلمته .
( 4 ) غرر بنفسه : عرضها للهلكة ، والاسم الغرر .
( 5 ) الآية الخامسة عشرة بعد المائتين .