وقال أبو حنيفة : يصومه في إحرامه بالعمرة ؛ لأنه أحد إحرامى المتمتع ، فجاز صوم الأيام فيه كإحرامه « 1 » بالحج .
ودليلنا قوله تعالى :
فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ
، فإذا صامه في العمرة فقد أدّاه قبل وقته فلم يجزه .
قال القاضي : إذا ثبت هذا قال علماؤنا : يصومها قبل يوم عرفة ليكون يوم عرفة مفطرا ، فذلك اتّباع « 2 » للسنة وأقوى على العبادة . ولا يخلو المتمتّع أن يجد الهدى أو لا يجده ، فإن لم يجده وعلم استمرار العدم إلى آخر الحجّ صام من أوله ؛ وإن رجاه آخره إلى مقدار ثلاثة أيام قبل [ 66 ] عرفة فيصومه حينئذ لتقع الأيام مصومة في الحج ، ويخلو يوم عرفة عن الصوم .
وهذه المسألة تنبنى عندي على أصل ؛ وهو ما المراد بقوله تعالى :
فِي الْحَجِّ
؟ فإنه يحتمل أيام الحجّ ، ويحتمل موضع الحجّ ؛ فإن كان المراد به أيام الحجّ فهذا القول صحيح ؛ لأن آخر أيام الحج يوم النّحر . ويحتمل أن يكون آخر أيام الحج أيام الرّمى ؛ لأنّ الرّمى من عمل الحج خالصا وإن لم يكن من أركانه .
وإن كان المراد به موضع الحج صامه ما دام بمكة في أيام منى ، وهو قول عروة ، ويقوى « 3 » جدا . وقد روى هشام بن عروة قال : أخبرني أبى ، قال : كانت عائشة تصوم أيّام منى ، وكان أبى يصومها ، وروى الزهري عن عروة ، عن عائشة ، وعن سالم عن ابن عمر ، قالا : لم يرخّص في أيام التشريق أن يصمن إلّا لمن لم يجد الهدى . خرّجه البخاري .
والمعنى في ذلك ، واللّه أعلم ، لأنه لم يبق من إقامته إلّا بمقدارها ؛ يؤكده قوله تعالى :
وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ
لو كان المراد به أيام الحجّ لقال : إذا أحللتم أو فرغتم ، فكان معنى قوله تعالى :
إِذا رَجَعْتُمْ
عن موضع الحج بإتمام أفعاله . وبذلك يتحقّق وجوب الصوم لعدم الهدى كما بيّناه من قبل .
فإن قيل :
فقد روى في الصحيح « 4 » أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعث مناديا ينادى أنّ أيام منى أيام أكل وشرب .
هامش
( 1 ) في ا : كإحرامه الحج .
( 2 ) في ا : أتبع .
( 3 ) في ل : ويقوى أيضا جدا .
( 4 ) حكم الصوم في أيام التشريق في صحيح مسلم 800