وسلم في قوله ، « أن تعبد اللّه كأنك تراه » الحديث ، وبأدنى عبادة يؤديها المرء المسلم يقع عليه اسم عابد ويحصل في أدنى رتبته وعلى قدر زيادته في العبادة يحصل الوصف ، و
الْحامِدُونَ
معناه : الذاكرون للّه بأوصافه الحسنى في كل حال وعلى السراء والضراء وحمده لأنه أهل لذلك ، وهو أعم من الشكر إذ الشكر إنما هو على النعم الخاصة بالشاكر ، و
السَّائِحُونَ
معناه الصائمون ، وروي عن عائشة أنها قالت : سياحة هذه الأمة الصيام ، وأسنده الطبري وروي أنه من كلام النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وفي الحديث « إن للّه ملائكة سياحين مشائين في الآفاق يبلغوني صلاة أمتي عليّ » ، ويروى الحديث « صياحين » بالصاد من الصياح والسياحة في الأرض مأخوذ من السيح وهو الماء الجاري على الأرض إلى غير غاية ، وقال بعض الناس وهو في كتاب النقاش :
السَّائِحُونَ
هم الجائلون بأفكارهم في قدرة اللّه وملكوته ، وهذا قول حسن وهي من أفضل العبادات ، ومن ذلك قول معاذ بن جبل : اقعد بنا نؤمن ساعة ، ويروى أن بعض العباد أخذ القدح ليتوضأ لصلاة الليل فأدخل إصبعه في أذن القدح وجعل يفكر حتى طلع الفجر فقيل له في ذلك فقال : أدخلت إصبعي في أذن القدح فتذكرت قول اللّه تعالى :
إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ
[ غافر : 71 ] وفكرت كيف أتلقى الغل وبقيت في ذلك ليلي أجمع ، و
الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ
هم المصلون الصلوات الخمس كذا قال أهل العلم ، ولكن لا يختلف في أن من يكثر النوافل هو أدخل في الاسم وأغرق في الاتصاف ، وقوله :
الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ
هو أمر فرض على أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم بالجملة ثم يفترق الناس فيه مع التعيين ، فأما ولاة الأمر والرؤساء فهو فرض عليهم في كل حال ، وأما سائر الناس فهو فرض عليهم بشروط : منها أن لا تلحقه مضرة وأن يعلم أن قوله يسمع ويعمل به ونحو هذا ثم من تحمل بعد في ذات اللّه مشقة فهو أعظم أجرا ، وأسند الطبري عن بعض العلماء أنه قال : حيثما ذكر اللّه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو الأمر بالإسلام والنهي عن الكفر .
قال القاضي أبو محمد : ولا شك أنه يتناول هذا وهو أحرى ، إذ يتناول ما دونه فتعميم اللفظ أولى ، وأما هذه الواو التي في قوله
وَالنَّاهُونَ
ولم يتقدم في واحدة من الصفات قبل فقيل معناها الربط بين هاتين الصفتين وهي « الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر » إذ هما من غير قبيل الصفات الأول .
قال القاضي أبو محمد : لأن الأول فيما يخص المرء ، وهاتان بينه وبين غيره ، ووجب الربط بينهما لتلازمهما وتناسبهما ، وقيل هي زائدة وهذا قول ضعيف لا معنى له ، وقيل هي واو الثمانية لأن هذه الصفة جاءت ثامنة في الرتبة ، ومن هذا قوله في أبواب الجنة
وَفُتِحَتْ أَبْوابُها
[ الزمر : 73 ] ، وقوله
وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ
[ الكهف : 22 ] ، ومن هذا قوله
ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً
[ التحريم : 5 ] .
قال القاضي أبو محمد : على أن هذه تعترض حتى لا يلزم أن يكون واو ثمانية ، لأنها فرقت بين فصلين يعمان بمجموعهما جميع النساء ، ولا يصح أن يكون « ثيبات أبكارا » [ التحريم : 5 ] ، فهي فاصلة ضرورة ، وواو الثمانية قد ذكرها ابن خالويه ، في مناظرته لأبي علي الفارسي في معنى قوله
وَفُتِحَتْ أَبْوابُها
[ الزمر : 73 ] ، وأنكرها أبو علي ، وحدثني أبي رضي اللّه عنه عن الأستاذ أبي عبد اللّه الكفيف المالقي وكان ممن استوطن غرناطة وقرأ فيها في مدة ابن حبوس أنه قال : هي لغة فصيحة لبعض العرب من