قوله عزّ وجل :
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 104 إلى 105 ]
أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 104 ) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 105 )
قرأ جمهور الناس
« أَ لَمْ يَعْلَمُوا »
على ذكر الغائب ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن بخلاف عنه « ألم تعلموا » على معنى قل لهم يا محمد « ألم تعلموا » ، وكذلك هي في مصحف أبي بن كعب بالتاء من فوق ، والضمير في
يَعْلَمُوا
قال ابن زيد : يراد به الذين لم يتوبوا من المتخلفين ، وذلك أنهم لما تيب على بعضهم قال الغير ما هذه الخاصة التي خص بها هؤلاء ؟ فنزلت هذه الآية ، ويحتمل أن يكون الضمير في
يَعْلَمُوا
يراد به الذين تابوا وربطوا أنفسهم ، وقوله هو تأكيد لانفراد اللّه بهذه الأمور وتحقيق لذلك ، لأنه لو قال إن اللّه يقبل التوبة لاحتمل ، ذلك أن يكون قبول رسوله قبولا منه فبينت الآية أن ذلك مما لا يصل إليه نبي ولا ملك ، وقوله
وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ
معناه يأمر بها ويشرعها كما تقول أخذ السلطان من الناس كذا إذا حملهم على أدائه .
وقال الزجّاج : معناه ويقبل الصدقات ، وقد وردت أحاديث في أخذ اللّه صدقة عبيده ، ومنها قوله صلى اللّه عليه وسلم الذي رواه عبد اللّه بن أبي قتادة المحاربي عن ابن مسعود عنه : « إن العبد إذا تصدق بصدقة وقعت في يد اللّه قبل أن تقع في يد السائل » ، ومنها قوله الذي رواه أبو هريرة : « إن الصدقة تكون قدر اللقمة يأخذها اللّه بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون مثل الجبل » ، ونحو هذا من الأحاديث التي هي عبارة عن القبول والتحفي بصدقة العبد ، فقد يحتمل أن تخرج لفظة
وَيَأْخُذُ
على هذا ، ويتعلق بهذه الآية القول في قبول التوبة ، وتلخيص ذلك أن قبول التوبة من الكفر يقطع به عن اللّه عزّ وجل إجماعا ، وهذه نازلة هذه الآية ، وهذه الفرقة التائبة من النفاق تائبة من كفر ، وأما قبول التوبة من المعاصي فيقطع بأن اللّه تعالى يقبل من طائفة من الأمة توبتهم ، واختلف هل تقبل توبة الجميع ، وأما إذا عين إنسان تائب فيرجى قبول توبته ولا يقطع بها على اللّه ، وأما إذا فرضنا تائبا غير معين صحيح التوبة فهل يقطع على اللّه بقبول توبته أم لا ، فاختلف فقالت فرقة فيها الفقهاء والمحدثون - وهو كان مذهب أبي رضي اللّه عنه - يقطع على اللّه بقول توبته لأنه تعالى أخبر بذلك عن نفسه ، وعلى هذا يلزم أن تقبل توبة جميع التائبين ، وذهب أبو المعالي وغيره من الأئمة إلى أن ذلك لا يقطع به على اللّه تعالى بل يقوى فيه الرجاء ، ومن حجتهم أن الإنسان إذا قال في الجملة إني لا أغفر لمن ظلمني ثم جاء من قد سبه وآذاه فله تعقب حقه ، وبالغفران لقوم يصدق وعده ولا يلزمه الغفران لكل ظالم .
قال القاضي أبو محمد : ونحو هذا من القول ، والقول الأول أرجح واللّه الموفق للصواب ، وقوله تعالى
عَنْ عِبادِهِ
هي بمعنى « من » ، وكثيرا ما يتوصل في موضع واحد بهذه وهذه ، تقول لا صدقة إلا عن غنى ومن غنى ، وفعل فلان ذلك من أشره وبطره وعن أشره وبطره ، وقوله تعالى
أَ لَمْ يَعْلَمُوا
تقرير ،