تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 537

مساهمون:

ص٥٣٧
الظاهر ، وقد يحتمل أن يبقى عليهما اسم اليتم بعد البلوغ أي كانا يتيمين على معنى التشفق عليهما ، واختلف الناس في « الكنز » : فقال عكرمة وقتادة كان مالا جسيما ، وقال ابن عباس كان علما في صحف مدفونة ، وقال عمر مولى غفرة كان لوحا من ذهب قد كتب فيه عجبا للموقن بالرزق كيف يتعب ، وعجبا للموقن بالحساب كيف يغفل ، وعجبا للموقن بالموت كيف يفرح ، وروي نحو هذا مما هو في معناه ، قوله
وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً
ظاهر اللفظ والسابق منه أنه والدهما دنيّة ، وقيل هو الأب السابع ، وقيل العاشر ، فحفظا فيه وإن لم يذكرا بصلاح ، وفي الحديث « إن اللّه تعالى يحفظ الرجل الصالح في ذريته » ، وجاء في أنباء الخضر عليه السلام في أول قصة
فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها
[ الكهف : 79 ] وفي الثانية
فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما
وفي الثالثة
فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا
وإنما انفرد أولا في الإرادة لأنها لفظة عيب ، فتأدب بأن لم يسند الإرادة فيها إلا إلى نفسه ، كما تأدب إبراهيم عليه السلام في قوله
وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
[ الشعراء : 80 ] ، فأسند الفعل قبل وبعد إلى اللّه تعالى ، وأسند المرض إلى لنفسه ، إذ هو معنى نقص ومصيبة ، وهذا المنزع يطرد في فصاحة القرآن كثيرا ، ألا ترى إلى تقديم فعل البشر في قوله تعالى :
فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ
[ الصف : 5 ] ، وتقديم فعل اللّه تعالى في قوله
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا
[ التوبة : 118 ] ، وإنما قال الخضر في الثانية
فَأَرَدْنا
لأنه أمل قد كان رواه هو وأصحابه الصالحون ، وتكلم فيه في معنى الخشية على الوالدين ، وتمنى البديل لهما ، وإنما أسند الإرادة في الثالثة إلى اللّه تعالى . لأنها في أمر مستأنف في الزمن طويل غيب من الغيوب ، فحسن إفادة هذا الموضع بذكر اللّه تعالى ، وإن كان الخضر قد أراد أيضا ذلك الذي أعلمه اللّه أنه يريده ، فهذا توجيه فصاحة هذه العبارة بحسب فهمنا المقصر ، واللّه أعلم ، و « الأشد » كما الخلق والعقل واختلف الناس في قدر ذلك من السن ، فقيل خمس وثلاثون ، وقيل ست وثلاثون ، وقيل أربعون ، وقيل غير هذا مما فيه ضعف ، وقول الخضر
وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي
يقتضي أن الخضر نبي ، وقد اختلف الناس فيه : فقيل هو نبي ، وقيل هو عبد صالح وليس بنبي ، وكذلك جمهور الناس على أن الخضر مات صلى اللّه عليه وسلم ، وتقول فرقة إنه حي ، لأنه شرب من عين الحياة ، وهو باق في الأرض ، وأنه يحج البيت ، وغير هذا ، وقد أطنب النقاش في هذا المعنى ، وذكر في كتابه أشياء كثيرة عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه وغيره ، كلها لا يقوم على ساق ، ولو كان الخضر عليه السلام حيا يحج لكان له في ملة الإسلام ظهور واللّه العليم بتفاصيل الأشياء لا رب غيره ، ومما يقضي بموت الخضر الآن قول النبي صلى اللّه عليه وسلم « أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد » ، وقوله ذلك تأويل أي مآل ، وقرأت فرقة « تستطع » ، وقرأ الجمهور « تسطع » قال أبو حاتم كذا نقرأ « نتبع » المصحف ، وانتزع الطبري من اتصال هذه القصة بقوله تعالى :
وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا
[ الكهف : 58 ] إن هذه القصة إنما جلبت على معنى المثل للنبي صلى اللّه عليه وسلم في قومه ؛ أي لا تهتم بإملاء اللّه لهم وإجراء النعم لهم على ظاهرها ، فإن البواطن سائرة إلى الانتقام منهم ، ونحو هذا مما هو محتمل لكن بتعسف ما فتأمله . قوله عزّ وجل :

[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 83 إلى 86 ]

وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً ( 83 ) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً ( 84 ) فَأَتْبَعَ سَبَباً ( 85 ) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ( 86 )