تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 521

مساهمون:

ص٥٢١
الحديث بطوله ، وفي حديث آخر « أهل الجنة يوم القيامة مائة وعشرون صفا ، أنتم منها ثمانون صفا » ، وقوله تعالى :
لَقَدْ جِئْتُمُونا
إلى آخر الآية مقاولة للكفار المنكرين للبعث ، ومضمنها التقريع والتوبيخ ، والمؤمنون المعتقدون في الدنيا أنهم يبعثون يوم القيامة ، لا تكون لهم هذه المخاطبة بوجه وفي الكلام حذف ويقتضيه القول ويحسنه الإيجاز تقديره : يقال للكفرة منهم ،
كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
يفسره قول النبي صلى اللّه عليه وسلم إنكم تحشرون إلى اللّه حفاة عراة غرلا
كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ
[ الأنبياء : 104 ] . قوله عزّ وجل :

[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 49 إلى 50 ]

وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ( 49 ) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ( 50 )
الْكِتابُ
اسم جنس ، يراد به كتب الناس التي أحصاها الحفظة لواحد واحد ، ويحتمل أن يكون الموضوع كتابا واحدا حاضرا ، و « إشفاق المجرمين » : فزعهم من كشفه لهم وفضحه فشكاية المجرمين إنما هي من الإحصاء لا من ظلم ولا حيف ، وقدم الصغيرة اهتماما بها ، لينبه منها ، ويدل أن الصغيرة إذا أحصيت ، فالكبيرة أحرى بذلك ، والعرب أبدا تقدم في الذكر الأقل من كل مقترنين ، ونحو هذا هو قولهم : القمران والعمران ، سموا باسم الأقل تنبيها منهم ، وقال ابن عباس : « الصغيرة » الضحك ، وهذا مثال ، وباقي الآية بين ، وقوله تعالى :
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ
الآية ، هذه الآية مضمنها تقريع الكفرة وتوقيفهم على خطاياهم في ولايتهم العدو دون الذي أنعم بكل نعمه على العموم ، صغيرها وكبيرها ، وتقدير الكلام : واذكر إذ قلنا وتكررت هذه العبارة حيث تكررت هذه القصة ، إذ هي توطئة النازلة فأما ذكر النازلة هنا فمقدمة للتوبيخ ، وذكرها في البقرة إعلام بمبادئ الأمور ، واختلف المتأولون في السجود لآدم فقالت فرقة هو السجود المعروف ، ووضع الوجه بالأرض ، جعله اللّه تعالى من الملائكة عبادة له وتكرمة لآدم ، فهذا كالصلاة للكعبة ، وقالت فرقة بل كان إيماء منهم نحو الأرض ، وذلك يسمى سجودا لأن السجود في كلام العرب عبارة عن غاية التواضع ، ومنه قول الشاعر : [ الطويل ] ترى الأكم فيه سجدا للحوافر وهذا جائز أن يكلفه قوم ، فمنه قول النبي صلى اللّه عليه وسلم « قوموا إلى سيدكم » ، ومنه تقبيل أبي عبيدة بن الجراح يد عمر بن الخطاب حين تلقاه في سفرته إلى الشام ذكره سعيد بن منصور في مصنفه ، وقوله
إِلَّا إِبْلِيسَ
قالت فرقة هو استثناء منقطع ، لأن
إِبْلِيسَ
ليس من الملائكة ، بل هو من الجن ، وهم الشياطين المخلوقون من مارج من نار ، وجميع الملائكة إنما خلقوا من نور ، واختلفت هذه الفرقة فقال بعضها إبليس من الجن ، وهو أولهم ، وبدأتهم ، كآدم من الإنس ، وقالت فرقة بل كان إبليس وقبيله
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 521 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى