العذاب بحال هذا المثل به ، وقد تقدم القول في الثمر ، غير أن الإحاطة كناية عن عموم العذاب والفساد ، و
يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ
يريد يضع بطن إحداهما على ظهر الأخرى ، وذلك فعل المتلهف المتأسف على فائت وخسارة ونحوها ، ومن عبر بيصفق فلم يتقن ، وقوله
خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها
يريد أن السقوف وقعت ، وهي العروش ، ثم تهدمت الحيطان عليها ، فهي خاوية ، والحيطان على العروش
وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً
قال بعض المفسرين : هي حكاية عن قول الكافر هذه المقالة في الآخرة ، ويحتمل أن يريد أنه قالها في الدنيا على جهة التوبة بعد حلول المصيبة ويكون فيها زجر للكفرة من قريش أو غيرهم ، لئلا تجيء لهم حال يؤمنون فيها بعد نقم تحل بهم ، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم وأبو عمرو والحسن وأبو جعفر وشيبة : « ولم تكن » بالتاء على لفظة الفئة ، وقرأ حمزة والكسائي ومجاهد وابن وثاب « ولم يكن » بالياء على المعنى ، « الفئة » الجماعة التي يلجأ إلى نصرها ، قال مجاهد هي العشيرة .
قال القاضي أبو محمد : وهي عندي من فاء يفيء وزنها فئة ، حذفت العين تخفيفا ، وقد قال أبو علي وغيره : هي من فاوت وليست من فاء ، وهذا الذي قالوه أدخل في التصريف ، والأول أحكم في المعنى ، وقرأ ابن أبي عبلة : « فئة تنصره » ، وقوله
هُنالِكَ
يحتمل أن يكون ظرفا لقوله
مُنْتَصِراً
ويحتمل أن تكون
الْوَلايَةُ
مبتدأ ، و
هُنالِكَ
خبره ، وقرأ حمزة والكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب « الولاية » بكسر الواو ، وهي بمعنى الرئاسة والزعامة ونحوه ، وقرأ الباقون « الولاية » بفتح الواو وهي بمعنى الموالاة والصلة ونحوه ، ويحكى عن أبي عمرو والأصمعي أن كسر الواو هنا لحن ، لأن فعالة ، إنما تجيء فيما كان صنعة أو معنى متقلدا ، وليس هنا تولي أمر الموالاة ، وقرأ أبو عمرو والكسائي « الحق » بالرفع على جهة النعت ل
الْوَلايَةُ
، وقرأ الباقون « الحقّ » بالخفض على النعت
لِلَّهِ
عزّ وجل ، وقرأ أبو حيوة « للّه الحقّ » بالنصب وقرأ الجمهور « عقبا » بضم العين والقاف وقرأ عاصم وحمزة والحسن « عقبا » بضم العين وسكون القاف وتنوين الباء ، وقرأ عاصم أيضا « عقبى » بياء التأنيث ، والعقب والعقب بمعنى العاقبة .
قوله عزّ وجل :
[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 45 إلى 48 ]
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ( 45 ) الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ( 46 ) وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً ( 47 ) وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً ( 48 )
قوله
الْحَياةِ الدُّنْيا
يريد حياة الإنسان بما يتعلق بها من نعم وترفه ، وقوله
كَماءٍ
يريد هي كماء ، وقوله
فَاخْتَلَطَ بِهِ
أي فاختلط النبات بعضه ببعض بسبب الماء ، فالباء في
بِهِ
باء السبب ، فأصبح عبارة عن صيرورته إلى ذلك ، لا أنه أراد اختصاصا بوقت الصباح ، وهذا كقول الشاعر الربيع بن ضبع :
[ المنسرح ]