تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 524

مساهمون:

ص٥٢٤
ظرف ، وبعض هذه الفرقة ، يرى أن الضمير في قوله
بَيْنَهُمْ
يعود على المؤمنين والكافرين ، ويحتمل أن يعود على المشركين ومعبوداتهم ، وقال ابن عباس
مَوْبِقاً
معناه مهلكا بمنزلة موضع وهو من قولك وبق الرجل وأوبقه غيره إذا أهلكه ، فقوله
بَيْنَهُمْ
على هذا التأويل ، يصح أن يكون ظرفا ، والأظهر فيه أن يكون اسما ، بمعنى جعلنا تواصلهم أمرا مهلكا لهم ، ويكون
بَيْنَهُمْ
مفعولا أولا ل
جَعَلْنا
، وعبر بعضهم عن الموبق بالموعد وهذا ضعيف ، ثم أخبر عزّ وجل عن رؤية المجرمين النار ، ومعاينتهم لها ، ووقوع العلم لهم بأنهم مباشروها ، وأطلق الناس أن الظن هنا بمعنى اليقين ، ولو قال بدل
فَظَنُّوا
وأيقنوا لكان الكلام متسقا ، على مبالغة فيه ، ولكن العبارة بالظن لا تجيء أبدا في موضع يقين تام قد قاله الحسن ، بل أعظم درجاته أن يجيء في موضع علم متحقق ، لكنه لم يقع ذلك المظنون ، وإلا ، فقد يقع ويحسن ، لا يكاد توجد في كلام العرب العبارة عنه بالظن وتأمل هذه الآية ، وتأمل قول دريد : فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج وقرأ الأعمش « فظنوا أنهم ملاقوها » ، وكذلك في مصحف ابن مسعود ، وحكى أبو عمرو الداني عن علقمة ، أنه قرأ : « ملافوها » بالفاء مشددة من لففت ، وروى أبو سعيد الخدري أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال إن الكافر ليرى جهنم ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة . و « المصرف » المعدل ، والمرغ ، ومنه قول أبي كبير الهذلي : [ الكامل ]
أزهير هل عن شيبة بن مصرف * أم لا خلود لباذل متكلف
وهو مأخوذ من الانصراف من شيء إلى شيء ، وقوله تعالى :
وَلَقَدْ صَرَّفْنا
الآية ، المعنى : ولقد خوفنا ورجينا وبالغنا في البيان ، وهذا كله بتمثيل وتقريب للأذهان ، وقوله :
مِنْ كُلِّ مَثَلٍ
أي من كل مثال له نفع في الغرض المقصود بهم ، وهو الهداية ، وقوله
وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا
خبر مقتضب في ضمنه ، فلم ينفع فيهم تصريف الأمثال ، بل هم منحرفون يجادلون بالباطل وقوله
الْإِنْسانُ
يريد الجنس ، وروي أن سبب هذه الآية هو النضر بن الحارث ، وقيل ابن الزبعرى . وروي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دخل على علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه وقد نام عن صلاة الليل ، فأيقظه ، فقال له علي إنما نفسي بيد اللّه ، ونحو هذا ، فخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يضرب خده بيده ويقول :
وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا
فقد استعمل الآية على العموم في جميع الناس ، و « الجدل » الخصام والمدافعة بالقول ، فالإنسان أكثر جدلا من كل ما يجادل من ملائكة وجن وغير ذلك إن فرض وفي قوله
وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا
تعليم تفجع ما على الناس ، ويبين فيما بعد . قوله عزّ وجل :

[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 55 إلى 57 ]

وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً ( 55 ) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً ( 56 ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً ( 57 )