تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 517

مساهمون:

ص٥١٧
أفرد الجنة من حيث الوجود كذلك ، إذ لا يدخلهما معا في وقت واحد ، و « ظلمه لنفسه » : كفره وعقائده الفاسدة في الشك في البعث ، فقد نص على ذلك قتادة وابن زيد ، وفي شكه في حديث العالم إن كانت إشارته ب
هذِهِ
إلى الهيئة من السماوات والأرض وأنواع المخلوقات ، وإن كانت إشارته إلى جنته فقط ، فإنما في الكلام تساخف واغترار مفرط وقلة تحصيل ، وكأنه من شدة العجب بل والسرور أفرط في وصفها بهذا القول ثم قاس أيضا الآخرة على الدنيا ، وظن أنه لم يمل له في دنياه إلا لكرامة يستوجبها في نفسه ، قال : فإن كان ثم رجوع كما يزعم فستكون حالي كذا وكذا ، وليست مقالة العاصي بن وائل لخباب على حد هذه ، بل قصد العاصي الاستخفاف على جهة التصميم على التكذيب وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وابن الزبير ، وثبت في مصاحف المدينة « منهما » يريد الجنتين المذكورتين أولا ، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي والعامة ، وكذلك هو مصحف أهل البصرة « منها » يريد الجنة المدخولة ، وقوله
قالَ لَهُ صاحِبُهُ
حكاية أن المؤمن من الرجلين لما سمع كلام الكافر وقفه على جهة التوبيخ على كفر باللّه تعالى ، وقرأ أبي بن كعب : « وهو يخاصمه » ، وقرأ ثابت البناني ، « ويلك أكفرت » ، ثم جعل يعظم اللّه تعالى عنده بأوصاف تضمنت النعم والدلائل على جواز البعث من القبور ، وقوله
مِنْ تُرابٍ
إشارة إلى آدم عليه السلام ، وقوله
سَوَّاكَ رَجُلًا
كما تقول سواك شخصا أو حيا ، أو نحو هذا من التأكيدات ، وقد يحتمل أن قصد تخصيص الرجولة ، على وجه تعديد النعمة ، في أن لم يكن أنثى ولا خنثى ، وذكر الطبري نحو هذا ، واختلفت القراءة في قوله
لكِنَّا
فقرأ ابن عامر ونافع في رواية المسيبي « لكنا » في الوصل والوقف ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي « لكن » في الوصل و « لكنا » في الوقف ، ورجحها الطبري ، وهي رواية ورش وقالون عن نافع ، وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب والحسن « لكن أنا هو اللّه ربي » ، وقرأ عيسى الثقفي والأعمش بخلاف « لكن هو اللّه ربي » فأما هذه الأخيرة فبين على الأمر والشأن ، وأما الذي قبلها فعلى معنى لكن أنا أقول ومن هذه الفرقة ، من قرأ « لكننا » ، على حذف الهمزة وتخفيف النونين ، وفي هذا نظر ، وأما من قرأ « لكننا » ، فأصله عنده لكن أنا : حذفت الهمزة على غير قياس ، وأدغمت النون في النون ، وقد قال بعض النحويين : نقلت حركة الهمزة إلى النون فجاء لكننا ، ثم أدغمت بعد ذلك فجاء « لكنا » ، فرأى بعض القراء أن بالإدغام استغني عن الألف الأخيرة ، فمنهم من حذفها في الوصل ، ومنهم من أثبتها في الوصل والوقف ، ليدل على أصل الكلمة ، ويتوجه في
لكِنَّا
أن تكون لكن لحقتها نون الجماعة التي في « خرجنا وضربنا » ، ووقع الإدغام لاجتماع المثلين ، ثم وجد في
رَبِّي
على المعنى ، ولو اتبع اللفظ لقال ربنا ذكره أبو علي ، ويترجح بهذا التعليل قول من أثبت الألف في حال الوصل ، والوقف ، ويتوجه في
لكِنَّا
أن تكون المشهورة من أخوات إن ، المعنى : لكن قولي : هو
اللَّهُ رَبِّي
، أما أني لا أعرف من يقرأ بها وصلا ووقفا ، وذلك يلزم من يوجه هذا الوجه ، وروى هارون عن أبي
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 517 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى