تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 500

مساهمون:

ص٥٠٠
المفسرون ، وأن يهيئ لهم من أمرهم
رَشَداً
أي خلاصا جميلا ، وقرأ الجمهور « رشدا » بفتح الراء والشين ، وقرأ أبو رجاء « رشدا » بضم الراء وسكون الشين ، والأولى أرجح لشبهها بفواصل الآيات قبل وبعد ، وهذا الدعاء منهم كان في أمر دنياهم ، وألفاظه تقتضي ذلك ، وقد كانوا على ثقة من رشد الآخرة ورحمتها ، وينبغي لكل مؤمن أن يجعل دعاءه في أمر دنياه هذه الآية فقط ، فإنها كافية ، ويحتمل ذكر « الرحمة » أن يراد بها أمر الآخرة وقد اختصرت هذا القصص ، ولم أغفل من مهمه شيئا بحسب اجتهادي ، واللّه المعين برحمته ، وقوله
فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ
الآية عبارة عن إلقاء اللّه تعالى النوم عليهم ، ويعبر عن هذا ونحوه ب « الضرب » لتبين قوة المباشرة وشدة اللصوق في الأمر المتكلم فيه والإلزام ، ومنه ضرب الذلة والمسكنة ، ومنه ضرب الجزية ، ومنه ضرب البعث . ومنه قول الفرزدق : [ الكامل ]
ضربت عليك العنكبوت بنسجها * وقضى عليك به الكتاب المنزل
فهذا يستعمل في اللزوم البليغ ، وأما تخصيص « الآذان » بالذكر فلأنها الجارحة التي منها عظم فساد النوم ، وقلّما ينقطع نوم نائم إلا من جهة أذنه ، ولا يستحكم نوم إلا مع تعطل السمع ، ومن ذكر الأذن في النوم قوله صلى اللّه عليه وسلم « ذلك رجل بال الشيطان في أذنه » أشار عليه السلام إلى رجل طويل النوم لا يقوم بالليل ، وقوله
عَدَداً
نعت للسنين ، والقصد به العبارة عن التكثير ، أي تحتاج إلى عدد وهي ذات عدد ، قال الزجاج : ويجوز أن يكون نصب
عَدَداً
على المصدر ، و « البعث » التحريك بعد سكون ، وهذا مطرد مع لفظة البعث حيث وقعت ، وقد يكون السكون في الشخص أو عن الأمر المبعوث فيه وإن كان الشخص متحركا ، وقوله
لِنَعْلَمَ
عبارة عن خروج ذلك الشيء إلى الوجود ، وهذا على نحو كلام العرب أي لنعلم ذلك موجودا ، وإلا فقد كان اللّه تعالى علم
أَيُّ الْحِزْبَيْنِ
أحصى الأمد وقرأ الزهري « ليعلم » بالياء ، و « الحزبان » الفريقان ، والظاهر من الآية أن الحزب الواحد هم الفتية ، إذ ظنوا لبثهم قليلا ، والحزب الثاني هم أهل المدينة الذين بعث الفتية على عهدهم حين كان عندهم التاريخ بأمر الفتية ، وهذا قول الجمهور من المفسرين ، وقالت فرقة : هما حزبان من الكافرين اختلفا في مدة أصحاب الكهف ، وقالت فرقة : هما حزبان من المؤمنين ، وهذا لا يرتبط من ألفاظ الآية ، وأما قوله
أَحْصى
فالظاهر الجيد فيه أنه فعل ماض ، و
أَمَداً
منصوب به على المفعول ، و « الأمد » الغاية ، وتأتي عبارة عن المدة من حيث للمدة غاية هي أمدها على الحقيقة ، وقال الزجاج :
أَحْصى
هو أفعل ، و
أَمَداً
على هذا نصب على التفسير ، ويلحق هذا القول من الاختلال أن أفعل لا يكون من فعل رباعي إلا في الشاذ ، و
أَحْصى
فعل رباعي ، ويحتج لقول أبي إسحاق بأن أفعل من الرباعي قد كثر ، كقولك ما أعطاه للمال ، وآتاه للخير ، وقال النبي عليه السلام في صفة جهنم : « هي أسود من القار » وقال في صفة حوضه عليه السلام « ماؤه أبيض من اللبن » وقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه « فهو لما سواها أضيع » وهذه كلها أفعل من الرباعي ، وقال مجاهد :
أَمَداً
معناه عددا ، وهذا تفسير بالمعنى على جهة التقريب ، وقال الطبري : نصب
أَمَداً
ب
لَبِثُوا
، وهذا غير متجه . قوله عزّ وجل :

[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 13 إلى 16 ]

نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً ( 13 ) وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً ( 14 ) هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ( 15 ) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً ( 16 )
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 500 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى