تؤم بها الحداة مياه نخل * وفيها عن أبانين ازورار
وفي حديث غزوة مؤتة ، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رأى في سرير عبد اللّه بن رواحة ازورارا عن سرير جعفر وزيد بن حارثة ، وقرأ الجمهور « تقرضهم » بالتاء ، وفرقة « يقرضهم » بالياء ، أي الكهف كأنه من القرض وهو القطع ، أي يقتطعهم الكهف بظله من ضوء الشمس ، وجمهور من قرأ بالتاء ، فالمعنى أنهم كانوا لا تصيبهم شمس البتة وهو قول ابن عباس ، فيتأولون « تقرضهم » بمعنى تتركهم ، أي كأنها عنده تقطع كلّ ما لا تناله عن نفسها ، وفرقة ممن قرأ بالتاء تأول أنها كانت بالعشي تنالهم ، فكأنها « تقرضهم » أي تقتطعهم مما لا تناله ، وقالوا كان في مسها لهم بالعشي صلاح لأجسامهم ، وحكى الطبري أن العرب تقول :
قرضت موضع كذا أي قطعته ، ومنه قول ذي الرمة : [ الطويل ]
إلى ظعن يقرضن أجواز مشرف * شمالا وعن أيمانهن الفوارس
ومنه أقرضني درهما أي اقطعه لي من مالك ، وهذه الصفة مع
الشَّمْسَ
تقتضي أنه كان لهم حاجب من جهة الجنوب وحاجب من جهة الدبور وهم في زاويته ، وحكى الزجاج وغيره قال : كان باب الكهف ينظر إلى بنات نعش ، وقاله عبد اللّه بن مسلم وهذا نحو ما قلناه ، غير أن الكهف كان مستور الأعلى من المطر ، وذهب الزجاج إلى أن فعل الشمس كان آية من اللّه تعالى دون أن يكون باب الكهف إلى جهة توجب ذلك ، وقوله
ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ
يحتمل أن يريد ذات يمين الكهف بأن نقدر باب الكهف بمثابة وجه إنسان فإن الشمس تجيء منه أول النهار عن يمين ، وآخره عن شمال ، ويحتمل أن يريد ذات يمين الشمس وذات شمالها ، بأن نقدر الشعاع الممتد منها إلى الكهف بمثابة وجه إنسان ، والوجه الأول أصح و « الفجوة » المتسع وجمعها فجى ، قال قتادة : في فضاء منه ، ومنه الحديث كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يسير العنف فإذا وجد فجوة نص ، وقال ابن جبير :
فِي فَجْوَةٍ
في مكان داخل ، وقوله
ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ
الإشارة إلى الأمر بجملته ، وعلى قول الزجاج إن الشمس كانت تزاور وتقرض دون حجاب تكون الإشارة إلى هذا المعنى خاصة ثم تابع بتعظيم اللّه عزّ وجل والتسليم له وما يقتضي صرف الآمال إليه ، وقوله
وَتَحْسَبُهُمْ
الآية ، صفة حال قد نقضت وجاءت أفعالها مستقبلة تجوزا واتساعا و
أَيْقاظاً
جمع يقظ كعضد وأعضاد ، وهو المنتبه قال أهل التفسير : كانت أعينهم مفتوحة وهم نائمون ، فلذلك كان الرائي يحسبهم
أَيْقاظاً
.
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل أن يحسب الرائي ذلك لشدة الحفظ الذي كان عليهم وقلة التغير ، وذلك أن الغالب على النوام أن يكون لهم استرخاء وهيئات تقتضي النوم ، ورب نائم على أحوال لم يتغير عن حالة اليقظة فيحسبه الرائي يقظانا وإن كان مسدود العينين ، ولو صح فتح أعينهم بسند يقطع العذر كان أبين في أن يحسب عليهم التيقظ ، وقرأ الجمهور « ونقلبهم » بنون العظمة ، وقرأ الحسن « وتقلّبهم » بالتاء المفتوحة وضم اللام والباء ، وهو مصدر مرتفع بالابتداء ، قاله أبو حاتم ، وحكى ابن جني القراءة عن الحسن بفتح التاء وضم اللام وفتح الباء ، وقال هذا نصب بفعل مقدر كأنه قال وترى أو تشاهد تقلبهم ، وأبو حاتم أثبت ، ورأت فرقة أن التقلب هو الذي من أجله كان الرائي يحسبهم
أَيْقاظاً
وهذا وإن كان التقلب