تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 474

مساهمون:

ص٤٧٤
بِيَمِينِهِ
حقيقة في أن في يوم القيامة صحائف تتطاير وتوضع في الأيمان لأهل الإيمان ، وفي الشمائل لأهل الكفر ، وتوضع في أيمان المذنبين الذين ينفذ عليهم الوعيد ، فسيستفيدون منها أنهم غير مخلدين في النار ، وقوله
يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ
عبارة عن السرور بها أي يرددنها ويتأملونها ، وقوله
وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا
أي ولا أقل ولا أكثر ، فهذا هو مفهوم الخطاب حكم المسكوت عنه كحكم المذكور . كقوله تعالى
فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ
، [ الإسراء : 23 ] وكقوله
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ
[ النساء : 40 ] وهذا كثير ومعنى الآية : أنهم لا يبخسون من جزاء أعمالهم الصالحة شيئا ، و « الفتيل » هو الخيط الذي في شق نواة التمرة يضرب به المثل في القلة وتفاهة القدر ، وقوله
وَمَنْ كانَ
، الآية ، قال محمد بن أبي موسى : الإشارة بهذه إلى النعم التي ذكرها في قوله
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ
أي من عمي عن شكر هذه النعم والإيمان لمسديها ، فهو في أمور الآخرة وشأنها
أَعْمى
. قال القاضي أبو محمد : ويحتمل
أَعْمى
الثاني أن يكون بمنزلة الأول ، على أنه تشبيه بأعمى البصر ، ويحتمل أن يكون صفة تفضيل ، أي أشد عمى ، والعمى في هذه الآية هو عمى القلب في الأول والثاني ، وقال ابن عباس ومجاهد قتادة وابن زيد : الإشارة بهذه إلى الدنيا ، أي من كان في هذه الدار أعمى عن النظر في آيات اللّه وعبره والإيمان بأنبيائه ، فهو في الآخرة أعمى ؛ إما أن يكون على حذف مضاف ، أي في شأن الآخرة ، وإما أن يكون : فهو في يوم القيامة أعمى ، على معنى أنه حيران ، لا يتوجه له صواب ، ولا يلوح له نجح ، قال مجاهد « فهو في الآخرة أعمى » عن حجته . قال القاضي أبو محمد : والظاهر عندي أن الإشارة ب
هذِهِ
إلى الدنيا ، أي من كان في دنياه هذه ووقت إدراكه وفهمه أعمى عن النظر في آيات اللّه ، فهو في يوم القيامة أشد حيرة وأعمى ، لأنه قد باشر الخيبة ، ورأى مخايل العذاب ، وبهذا التأويل ، تكون معادلة للتي قبلها ، من ذكر من يؤتى كتابه بيمينه ، وإذا جعلنا قوله
فِي الْآخِرَةِ
بمعنى في شأن الآخرة ، لم تطرد المعادلة بين الآيتين . وقرأ ابن كثير ، ونافع ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم : « أعمى » في الموضعين ، بغير إمالة ، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم بخلاف عنه في الموضعين بإمالة ، وقرأ أبو عمرو بإمالة الأول وفتح الثاني ، وتأوله بمعنى أشد عمى ، ولذلك لم يمله ، قال أبو علي : لأن الإمالة إنما تحسن في الأواخر ، و
أَعْمى
ليس كذلك لأن تقديره أعمى من كذا ، فليس يتم إلا في قولنا من كذا ، فهو إذا ليس بآخر ، ويقوي هذا التأويل قوله عطفا عليه
وَأَضَلُّ سَبِيلًا
فإنما عطف
أَضَلُّ
الذي هو أفعل من كذا على ما هو شبيه به ، وإنما جعله في الآخرة
أَضَلُّ سَبِيلًا
، لأن الكافر في الدنيا يمكن أن يؤمن فينجو ، وهو في الآخرة ، لا يمكنه ذلك ، فهو
أَضَلُّ سَبِيلًا
، وأشد حيرة ، وأقرب إلى العذاب ، وقول سيبويه رحمه اللّه : لا يقال أعمى من كذا كما يقال ما أبداه ، إنما هو في عمى العين الذي لا تفاضل فيه ، وأما في عمى القلب فيقال ذلك لأنه يقع فيه التفاضل ، وذكر مكي في هذه الآية ، أن العمى الأول هو عمى العين عن الهدى وهذا بين الاختلال ، واللّه المعين . وقوله
وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ
الآية ،
إِنْ
هذه عند سيبويه هي المخففة من الثقيلة ، واللام في قوله
لَيَفْتِنُونَكَ
لام تأكيد ، و
إِنْ
هذه عند الفراء بمعنى ما ، واللام بمعنى إلا والضمير في قوله
كادُوا
قيل هو لقريش وقيل لثقيف ، فأما لقريش ، فقال ابن جبير ومجاهد : نزلت الآية لأنهم قالوا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لا