تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 477

مساهمون:

ص٤٧٧
الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ
[ الجن : 11 ] ، وقوله
يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ
[ الممتحنة : 3 ] ، وقوله
سُنَّةَ
نصب على المصدر ، وقال الفراء نصبه على حذف الخافض ، لأن المعنى كسنة ، فحذفت الكاف ونصب ويلزمه على هذا أن لا يقف على قوله
قَلِيلًا
، ومعنى الآية الإخبار أن سنة اللّه تعالى في الأمم الخالية وعادته أنها إذا أخرجت نبيها من بين أظهرها نالها العذاب واستأصلها الهلاك فلم تلبث بعده إلا قليلا ، وقوله
أَقِمِ الصَّلاةَ
الآية ، هذه بإجماع من المفسرين إشارة إلى الصلوات المفروضة ، فقال ابن عمر وابن عباس وأبو بردة والحسن والجمهور : « دلوك الشمس » زوالها ، والإشارة إلى الظهر والعصر ، و
غَسَقِ اللَّيْلِ
أشير به إلى المغرب والعشاء ،
وَقُرْآنَ الْفَجْرِ
أريد به صلاة الصبح ، فالآية على هذا تعم جميع الصلوات وروى ابن مسعود أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « أتاني جبريل
لِدُلُوكِ الشَّمْسِ
حين زالت فصلى بي الظهر » ، وروى جابر أن النبي صلى اللّه عليه وسلم خرج من عنده وقد طعم وزالت الشمس ، فقال اخرج يا أبا بكر فهذا حين دلكت الشمس ، وقال ابن مسعود وابن عباس وزيد بن أسلم : « دلوك الشمس » غروبها ، والإشارة بذلك إلى المغرب ، و
غَسَقِ اللَّيْلِ
اجتماع ظلمته ، فالإشارة إلى العتمة ،
وَقُرْآنَ الْفَجْرِ
صلاة الصبح ، ولم تقع إشارة على هذا إلى الظهر والعصر ، والقول الأول أصوب لعمومه الصلوات ، وهما من جهة اللغة حسنان ، وذلك أن الدلوك هو الميل في اللغة فأول الدلوك هو الزوال ، وآخره هو الغروب ، ومن وقت الزوال إلى الغروب يسمى دلوكا ، لأنها في حالة ميل ، فذكر اللّه الصلوات التي في حالة « الدلوك » وعنده ، فيدخل في ذلك الظهر والعصر والمغرب ويصح أن تكون المغرب داخلة في
غَسَقِ اللَّيْلِ
، ومن الدلوك الذي هو الميل قول الأعرابي للحسن بن أبي الحسن أيدالك الرجل امرأته يريد أيميل بها إلى المطل في دينها فقال له الحسن نعم إذا كان ملفجا ، أي عديما ، ومنه قول ذي الرمة : [ الطويل ]
مصابيح ليست باللواتي تقودها * نجوم ولا بالآفلات الدوالك
ومن ذلك قول الشاعر : [ الرجز ]
هذا مكان قدمي رباح * غدوة حتى دلكت براح
يروى براح بكسر الباء ، قال أبو عبيدة الأصمعي وأبو عمرو الشيباني ومعناه براحة الناظر يستكف بها أبدا لينظر كيف ميلها وما بقي لها ، وهذا نحو قول الحجاج : [ الرجز ]
والشمس قد كادت تكون دنفا * دفعها بالراح كي تزحلقا
وذكر الطبري عن ابن مسعود أنه قال : دلكت براح يعني براح مكانا . قال : فإن كان هذا من تفسير ابن مسعود فهو أعلم ، وإن كان من كلام راو فأهل الغريب أعلم بذلك ، ويروى أن البيت الأول : « غدوة حتى هلكت براح » ، بفتح الباء على وزن قطام وحذام ، وهو اسم من أسماء الشمس ، وغسق الليل اجتماعه وتكاثف ظلمته ، وقال الشاعر : [ المديد ] آب هذا الليل إذ غسقا