تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 457

مساهمون:

ص٤٥٧
فهذا هو المرح ، فنهي الإنسان في هذه الآية أن يكون مشيه في الأرض على هذا الوجه ، ثم قيل له إنك لن تقطع الأرض وتمسحها بمشيك ، ولن تبلغ أطوال الجبال فتنالها طولا ، فإذا كنت لا تستوي في الأرض بمشيك فقصرك نفسك على ما يوجبه الحق من المشي والتصرف أولى وأحق ، وخوطب النبي صلى اللّه عليه وسلم بهذه الآية والمراد الناس كلهم . قال القاضي أبو محمد : وإقبال الناس على الصيد ونحوه تنزها دون حاجة إلى ذلك داخل في هذه الآية ، وأما الرجل يستريح في اليوم النادر أو الساعة من يومه يجم بها نفسه في التفرج والراحة ليستعين بذلك على شغل من البر كقراءة علم أو صلاة ، فليس ذلك بداخل في هذه الآية ، وقرأت فرقة فيما حكى يعقوب « مرحا » بكسر الراء على بناء اسم الفاعل ، وهذا المعنى يترتب على هذه القراءة ، ولكن يحسن معها معنى آخر ذكره الطبري مع القراءة الأولى وهو بهذه القراءة أليق ، وهو أن قوله
لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا
أراد به أنك أيها المرح المختال الفخور لا تخرق الأرض ولا تطاول الجبال بفخرك وكبرك ، وذهب بالألفاظ إلى هذا المعنى ، ويحسن ذلك مع القراءة بكسر الراء من المرح ، لأن الإنسان نهي حينئذ عن التخلق بالمرح في كل أوقاته ، إذ المشي في الأرض لا يفارقه ، فلم ينه إلا عن يكون مرحا ، وعلى القراءة الأخرى إنما نهي من ليس بمرح عن أن يمشي في بعض أوقاته مرحا فيترتب في « المرح » بكسر الراء أن يؤخذ بمعنى المتكبر المختال ، وخرق الأرض قطعها ، والخرق الواسع من الأرض ومنه قول الشاعر : [ المتقارب ]
وخرق تجاوزت مجهوله * بوجناء خرق تشكى الكلالا
ويقال لثقب الأرض ، وليس هذا المعنى في الآية ، ومنه قول رؤبة بن العجاج : وقاتم الأعماق خاوي المخترق وقرأ الجراح الأعرابي « تخرق » بضم الراء ، وقال أبو حاتم : لا تعرف هذه اللغة ، وقوله تعالى :
كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ
الآية ، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ، وأبو جعفر والأعرج « سيئة » ، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي والحسن ومسروق « سيئه » على إضافة سيئ إلى الضمير ، والإشارة على القراءة الأولى إلى ما تقدم ذكره مما نهي عنه كقول أف وقذف الناس والمرح وغير ذلك ، والإشارة على القراءة الثانية إلى جميع ما ذكر في هذه الآيات من بر ومعصية ، ثم اختص ذكر السيّئ منه بأنه مكروه عند اللّه تعالى ، فأما من قرأ « سيئه » بالإضافة إلى الضمير فإعراب قراءته بين : وسيئ اسم
كانَ
و
مَكْرُوهاً
خبرها ، وأما من قرأ « سيئة » فهي الخبر ل
كانَ
، واختلف الناس في إعراب قوله
مَكْرُوهاً
، فقالت فرقة هو خبر ثان ل
كانَ
حمله على لفظ كل ، و « سيئة » محمول على المعنى في جميع هذه الأشياء المذكورة قبل ، وقال بعضهم هو نعت ل
سَيِّئُهُ
لأنه لما كان تأنيثها غير حقيقي جاز أن توصف بمذكر . قال القاضي أبو محمد : وضعف أبو علي الفارسي هذا ، وقال إن المؤنث إذا ذكر فإنما ينبغي أن يكون ما بعده وفقه ، وإنما التساهل أن يتقدم الفعل المسند إلى المؤنث وهو في صيغة ما يسند إلى المذكر ألا ترى أن قول الشاعر : [ المتقارب ]