تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦
ومثل الدمى شم العرانين ساكن * بهن الحياء لا يشعن التقافيا
وقال الكميت : [ الوافر ]
ولا أرم البرى بغير ذنب * ولا أقفو الحواضن إن قفينا
وأصل هذه اللفظة من اتباع الأثر ، تقول قفوت الأثر ، ويشبه أن هذا من القفا مأخوذ ، ومنه قافية الشعر لأنها تقفو البيت ، وتقول قفت الأثر ، ومن هذا : هو القائف ، وتقول فقوت الأثر بتقديم الفاء على القاف ، ويشبه أن يكون هذا من تلعب العرب في بعض الألفاظ ، كما قالوا وعمري في لعمري وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت قفا وقاف مثل عثا وعاث ، فمعنى الآية ، ولا تتبع لسانك من القول ما لا علم لك به ، وذهب منذر بن سعيد إلى أن قفا وقاف مثل جبذ وجذب فهذه الآية بالجملة تنهى عن قول الزور والقذف وما أشبه ذلك من الأقوال الكاذبة الردية ، وقرأ الجمهور « ولا تقف » ، وقرأ بعض الناس فيما حكى الكسائي « ولا تقف » بضم القاف وسكون الفاء ، وقرأ الجراح « والفآد » بفتح الفاء وهي لغة ، وأنكرها أبو حاتم وغيره ، وعبر عن
السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ
ب
أُولئِكَ
لأنها حواس لها إدراك ، وجعلها في هذه الآية مسؤولة ، فهي حالة من يعقل ، فلذلك عبر عنها ب
أُولئِكَ
، وقد قال سيبويه رحمه اللّه في قوله تعالى :
رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ
[ يوسف : 4 ] إنه إنما قال رأيتهم في نجوم لأنه لما وصفها بالسجود وهو من فعل من يعقل ، عبر عنها بكناية من يعقل ، وحكى الزجاج أن العرب تعبر عما يعقل وعما لا يعقل ب « أولئك » ، وأنشد هو والطبري : [ الكامل ]
ذم المنازل بعد منزلة اللوى * والعيش بعد أولئك الأيام
فأما حكاية أبي إسحاق عن اللغة فأمر يوقف عنده ، وأما البيت فالرواية فيه الأقوام ، والضمير في
عَنْهُ
يعود على ما ليس للإنسان به علم ، ويكون المعنى أن اللّه تعالى يسأل سمع الإنسان ، وبصره ، وفؤاده عما قال مما لا علم له به ، فيقع تكذيبه من جوارحه وتلك غاية الخزي ، ويحتمل أن يعود الضمير في
عَنْهُ
على كل التي هي للسمع والبصر والفؤاد ، والمعنى أن اللّه تعالى يسأل الإنسان عما حواه سمعه وبصر وفؤاده ، فكأنه قال كل هذه كان الإنسان عنه مسؤولا ، أي عما حصل لهؤلاء من الإدراكات ووقع منها من الخطأ ، فالتقدير عن أعمالها مسؤولا ، فهو على حذف مضاف . قوله عزّ وجل :

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 37 إلى 40 ]

وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً ( 37 ) كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ( 38 ) ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً ( 39 ) أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً ( 40 ) قرأ الجمهور « مرحا » بفتح الراء مصدر من مرح يمرح إذا تسبب مسرورا بدنياه مقبلا على راحته ،
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 456 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى