تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
هذه الآية نزلت بمكة في وقت الأمر بمهادنة المشركين ، أمره اللّه تعالى أن يدعو إلى اللّه وشرعه بتلطف ، وهو أن يسمع المدعو حكمه ، وهو الكلام الصواب القريب الواقع في النفس أجمل موقع ،
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
التخويف والترجية والتلطف بالإنسان بأن يحله ويبسطه ويجعله بصورة من يقبل الفضائل ، ونحو هذا ، فهذه حالة من يدعى وحالة من يجادل دون مخاشنة ، ويبين عليه دون قتال ، فالكلام يعطي أن جدك وهمك وتعبك لا يغني لأن اللّه تعالى قد علم من يؤمن منهم ويهتدي ، وعلم من يضل ، فجملة المعنى اسلك هذا السبيل ولا تعن للمخاشنة لأنها غير مجدية لأن علم اللّه قد سبق بالمهتدي منهم والضال ، وقالت فرقة : هذه الآية منسوخة بآية القتال ، وقالت فرقة هي محكمة . قال القاضي أبو محمد : ويظهر لي أن الاقتصار على هذه الحال وأن لا تتعدى مع الكفرة متى احتيج إلى المخاشنة هو منسوخ لا محالة ، وأما من أمكنت معه هذه الأحوال من الكفار ورجي إيمانه بها دون قتال فهي محكمة إلى يوم القيامة ، وأيضا فهي محكمة في جهة العصاة ، فهكذا ينبغي أن يوعظ المسلمون إلى يوم القيامة . وقوله
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا
الآية ، أطبق أهل التفسير أن هذه الآية مدنية نزلت في شأن التمثيل بحمزة في يوم أحد ، ووقع ذلك في صحيح البخاري ، وفي كتاب السير وذهب النحاس إلى أنها مكية . قال القاضي أبو محمد : والمعنى متصل بما قبلها من المكي اتصالا حسنا لأنها تتدرج الرتب من الذي يدعى ويوعظ إلى الذي يجادل إلى الذي يجازى على فعله ، ولكن ما روى الجمهور أثبت ، وأيضا فقوله
وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ
يقلق بمعنى الآية على ما روى الجميع أن كفار قريش كما مثلوا بحمزة فنال ذلك من نفس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقال « لئن أظفرني اللّه بهم لأمثلن بثلاثين » ، وفي كتاب النحاس وغيره « بتسعين » منهم فقال الناس : « إن ظفرنا لنفعلن ولنفعلن » ، فنزلت هذه الآية ، ثم عزم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الصبر في الآية بعدها ، وسمى الإذناب في هذه الآية عقوبة ، والعقوبة حقيقة إنما هي الثانية وإنما فعل ذلك ليستوي اللفظان وتتناسب ديباجة القول ، وهذا بعكس قوله
مَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ
[ آل عمران : 54 ] ، وقوله
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ
[ البقرة : 15 ] ، فإن الثاني هو المجاز ، والأول هو الحقيقة ، وقرأ ابن سيرين : « وإن عقبتم فعقبوا » ، وحكى الطبري عن فرقة : أنها قالت إنما نزلت هذه الآية فيمن أصيب بظلامة أن لا ينال من ظالمه إذا تمكن إلا مثل ظلامته لا يتعداه إلى غيره ، واختلف أهل العلم فيمن ظلمه رجل في أخذ مال ثم ائتمن الظالم المظلوم على مال تجوز له خيانته في القدر الذي ظلمه ، فقالت فرقة : له ذلك ، منهم ابن سيرين وإبراهيم النخعي وسفيان ومجاهد ، واحتجت بهذه الآية وعموم لفظها ، وقال مالك وفرقة معه : لا يجوز له ذلك ، واحتجوا بقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أدّ الأمانة إلى من استأمنك ولا تخن من خانك » .