يشبه النون في حال سكونها حروف العلة لغنتها وخفتها وأنها قد تكون علامة وغير ذلك ، فكأن « لم » دخلت على « يكن » في حال الجزم . ولا تحذف النون إذا لم تكن ساكنة في نحو قوله
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ البينة : 1 ] ولا يحذف في مثل هذا إلا في الشعر فقد جاءت محذوفة ، وقوله
مِنَ الْمُشْرِكِينَ
يشير إلى تبرؤ حال إبراهيم عليه السلام من حال مشركي العرب ومشركي اليهود إذ كلهم ادعاه ويلزم الإشراك اليهود من جهة تجسيمهم ، و
شاكِراً
، صفة لإبراهيم تابعة ما تقدم ، و « الأنعم » جمع نعمة ، و
اجْتَباهُ
معناه تخيره ، وباقي الآية بين . وقوله
وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً
الآية ، « الحسنة » لسان الصدق وإمامته لجميع الخلق ، هذا قول جميع المفسرين وذلك أن كل أمة متشرعة فهي مقرة أن إيمانها إيمان إبراهيم وأنه قدوتها وأنه كان على الصواب . وقوله
لَمِنَ الصَّالِحِينَ
بمعنى المنعم عليهم أي من الصالحين في أحوالهم ومراتبهم ، أو بمعنى أنه في الآخرة ممن يحكم له بحكم الصالحين في الدنيا ، وهذا على أن الآية وصف حاليه في الدارين ، ويحتمل أن يكون المعنى وأنه في عمل الآخرة ، فعلى هذا هي وصف حالي في الدنيا الدنياوية والأخراوية . وقوله
ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
الآية ، الوحي إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم بهذا من جملة الحسنة التي آتاها اللّه إبراهيم ، قال ابن فورك وأمر الفاضل باتباع المفضول لما تقدم إلى الصواب والعمل به و
أَنِ
في قوله
أَنِ اتَّبِعْ
مفسرة ، ويجوز أن تكون مفعولة ، و « الملة » الطريقة في عقائد الشرع ، و
حَنِيفاً
حال ، والعامل فيه الفعلية التي في قوله
مِلَّةَ إِبْراهِيمَ
، ويجوز أن تكون حالا من الضمير المرفوع في
اتَّبِعْ
قال مكي : ولا يكون حالا من إبراهيم ، لأنه مضاف إليه : وليس كما قال لأن الحال قد تعمل فيه حروف الخفض إذا عملت في ذي الحال ، كقولك مررت بزيد قائما ، وقوله
إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ
أي لم يكن من ملة إبراهيم وإنما جعله اللّه فرضا عاقب به القوم المختلفين فيه ، قاله ابن زيد ، وذلك أن موسى أمر بني إسرائيل أن يجعلوا من الجمعة يوما مختصا بالعبادة وأمرهم أن يكون الجمعة ، فقال جمهورهم : بل يكون يوم السبت لأن اللّه فرغ فيه من خلق مخلوقاته ، فقال غيرهم : بل نقبل ما أمر اللّه به موسى ، فراجعهم الجمهور فتابعهم الآخرون فألزمهم اللّه يوم السبت إلزاما قويا عقوبة لهم منه ، فلم يكن منهم ثبوت بل عصوا فيه وتعدوا فأهلكهم ، وقرأ الأعمش « إنما أنزلنا السبت » ، وهي قراءة ابن مسعود وقرأ أبو حيوة « جعل » بفتح الجيم والعين .
قال القاضي أبو محمد : وورد في الحديث أن اليهود والنصارى اختلفوا في اليوم الذي يختص من الجمعة فأخذ هؤلاء السبت وهؤلاء الأحد فهدانا اللّه نحن إلى يوم الجمعة ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه » ، فليس الاختلاف المذكور في الآية هو الاختلاف الذي في الحديث ، وباقي الآية وعيد بين .
قوله عزّ وجل :
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 125 إلى 128 ]
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 125 ) وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ( 126 ) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ( 127 ) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ( 128 )