تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 429

مساهمون:

ص٤٢٩
قال القاضي أبو محمد : وهذا التحريم الذي ذكرناه يفهمه الفصحاء من اللفظ وليس في المعنى منه شيء وإنما هو إيماء ، وكذلك جعل في موضع آخر غايته أن لا إثم عليه ، وإن كان لا إثم عليه وقوله هو له مباح يرجعان إلى معنى واحد فإن في هيئة اللفظين خلافا . قوله عزّ وجل :

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 116 إلى 119 ]

وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ( 116 ) مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 117 ) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 118 ) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 119 ) هذه الآية مخاطبة للكفار الذين حرموا البحائر والسوائب وأحلوا ما في بطون الأنعام وإن كانت ميتة يدل على ذلك قوله حكاية عنهم
وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ
[ الأنعام : 139 ] والآية تقتضي كل ما كان لهم من تحليل وتحريم فإنه كله افتراء منهم ، ومنه ما جعلوه في الشهور ، وقرأ السبعة وجمهور الناس « الكذب » بفتح الكاف وكسر الذال وفتح الباء ، و « ما » مصدرية فكأنه قال لوصف ألسنتكم الكذب ، وقرأ الأعرج وأبو طلحة وأبو معمر والحسن ، « الكذب » بخفض الباء على البدل من « ما » ، وقرأ بعض أهل الشام ومعاذ بن جبل وابن أبي عبلة « الكذب » بضم الكاف والذال والباء على صفحة الألسنة ، وقرأ مسلمة بن محارب « الكذب » بفتح الباء « الكذب » بفتح الباء على أنه جمع كذاب ككتب في جمع كتاب ، وقوله
هذا حَلالٌ
إشارة إلى ميتة بطون الأنعام وكل ما أحلوا ، وقوله
وَهذا حَرامٌ
إشارة إلى البحائر والسوائب وكل ما حرموا ، وقوله
لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
، إشارة إلى قولهم في فواحشهم التي هذه إحداها ، وجدنا عليها آباءنا واللّه أمرنا بها . قال القاضي أبو محمد : ويحتمل أن يريد أنه كان شرعهم لاتباعهم سننا لا يرضاها اللّه افتراء عليه ، لأن من شرع أمرا فكأنه قال لأتباعه هذا هو الحق ، وهذا مراد اللّه ، ثم أخبرهم اللّه
إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
لا يبلغون الأمل ، و « الفلاح » بلوغ الأمل ، فطورا يكون في البقاء كما قال الشاعر ، والصبح والمسى لا فلاح معه ، ويشبه أن هذه الآية من هذا المعنى ، يقوي ذلك قوله
مَتاعٌ قَلِيلٌ
، وقد يكون في المساعي ومنه قول عبيد : [ الرجز ]
أفلح بما شئت فقد يبلغ * بالضعف وقد يخدع الأريب
وقوله
مَتاعٌ قَلِيلٌ
إشارة إلى عيشهم في الدنيا ،
وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
بعد ذلك في الآخرة . وقوله
وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا
الآية ، لما قص تعالى على المؤمنين ما حرم عليهم أعلم أيضا بما حرم على اليهود ليبين تبديلهم الشرع فيما استحلوا من ذلك وفيما حرموا من تلقاء أنفسهم ، وقولهم
ما قَصَصْنا عَلَيْكَ
، إشارة إلى ما في سورة الأنعام « من ذي الظفر والشحوم » الآية :
وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ