تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣
قال القاضي أبو محمد : وأيضا فذكر أحدهما يدل على الآخر ، ومنه قول الشاعر :
وما أدري إذا يممت أرضا * أريد الخير أيهما يليني
قال القاضي أبو محمد : وهذه التي ذكرناها هي بلاد الحجاز ، وإلا ففي بلاد العرب ما فيه برد شديد ، ومنه قول متمم : إذ القشع من برد الشتاء تقعقعا . ومنه قول الآخر : في ليلة من جمادى ذات أندية . البيتين ، وغير هذا ، والسرابيل التي تقي البأس هي الدرع ، ومنه قول كعب بن زهير : [ البسيط ]
شم العرانين أبطال لبوسهم * من نسج داود في الهيجا سرابيل
وقال أوس بن حجر : ولنعم حشو الدرع والسربال . فهذا يراد به القميص ، و « البأس » مس الحديد في الحرب ، وقرأ الجمهور « يتم نعمته » ، وقرأ ابن عباس « تتم نعمته » على أن النعمة هي تتم ، وروي عنه « تتم نعمه » على الجمع وقرأ الجمهور « تسلمون » من الإسلام ، وقرأ ابن عباس « تسلمون » من السلامة ، فتكون اللفظة مخصوصة في بأس الحرب ، وما في « لعل » من الترجي والتوقع فهو في حيز البشر المخاطبين ، أي لو نظر الناظر هذه الحال لترجى منها إسلامهم . قوله عزّ وجل :

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 82 إلى 85 ]

فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 82 ) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ ( 83 ) وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ( 84 ) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 85 ) هذه الآية فيها موادعة نسختها آية السيف ، والمعنى إن أعرضوا فلست بقادر على خلق الإيمان في قلوبهم ، وإنما عليك أن تبين وتبلغ أمر اللّه ونهيه ، ثم قرعهم ووبخهم بأنهم يعرفون نعمة اللّه في هذه الأشياء المذكورة ، ويقرون أنها من عنده ثم يكفرون به تعالى ، وذلك فعل المنكر للنعمة الجاحد لها ، هذا قول مجاهد ، فسماهم منكرين للنعمة تجوزا ، إذ كانت لهم أفعال المنكر من الكفر برب النعمة وتشريكهم في النعمة الأوثان على وجه ما ، وهو ما كانوا يعتقدون للأوثان من الأفعال من الضر والنفع ، وقال السدي : « النعمة » هاهنا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ووصفهم تعالى بأنهم يعرفون بمعجزاته وآيات نبوته وينكرون ذلك بالتكذيب ، ورجحه الطبري ، ثم حكم على أكثرهم بالكفر وهم أهل مكة ، وذلك أنه كان فيهم من قد داخله الإسلام ، ومن أسلم بعد ذلك ، وقوله
وَيَوْمَ نَبْعَثُ
الآية وعيد ، والتقدير واذكر يوم نبعث ويرد
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 413 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى