قال القاضي أبو محمد : فكأنهم كذبوهم في التذنيب لهم وقوله
وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ
، الضمير في
أَلْقَوْا
عائد على المشركين ، والمعنى ألقوا إليه الاستسلام ، وألقوا ما بأيديهم وذلوا لحكمه ، ولم تكن لهم حيلة ولا دفع ، و
السَّلَمَ
الاستسلام ، وقرأ الجمهور « السلم » بفتح اللام ، وروى يعقوب عن أبي عمرو سكون اللام ، وقرأ مجاهد « السّلم » بضم السين واللام ، وقوله
وَضَلَّ عَنْهُمْ
معناه وتلف عنهم كذبهم على اللّه وافتراؤهم الكفر والتشريك ، وقوله
الَّذِينَ كَفَرُوا
الآية ، في ضمن قوله
وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
لأنه حل بهم عذاب اللّه وباشروا نقمته ، ثم فسره فأخبر أن الذين كفروا ومنعوا غيرهم من الدخول في الدين وسلوك سبيل اللّه زادهم عذابا أجلّ من العذاب العام لجميع الناس عقوبة على إفسادهم ، فيحتمل أن يكون قوله
الَّذِينَ
بدلا من الضمير في
يَفْتَرُونَ
، و
زِدْناهُمْ
فعل مستأنف إخباره ، ويحتمل أن يكون
الَّذِينَ
ابتداء و
زِدْناهُمْ
خبره ، وروي في ذلك أن اللّه تعالى يسلط عليهم عقارب وحيات لها أنياب كالنخل الطوال ، قاله ابن مسعود ، وقال عبيد بن عمير : لها أنياب كالنخل وعقارب كالبغال الدهم ، ونحو هذا عن عبد اللّه بن عمرو بن العاصي ، إن لجهنم سواحل فيها هذه الحيات وهذه العقارب ، فيفر الكافر إلى السواحل من النار ، فتلقاهم هذه الحيات والعقارب ، فيفرون منها إلى النار فتتبعهم حتى تجد حر النار ، فترجع ، قال وهي في أسراب ، وقوله تعالى
وَيَوْمَ نَبْعَثُ
الآية ، هذه الآية في ضمنها وعيد ، والمعنى واذكر يوم نبعث في كل أمة شهيدا عليها ، وهو رسولها الذي شاهد في الدنيا تكذيبها وكفرها ، وإيمانها وهداها ، ويجوز أن يبعث اللّه شهيدا من الصالحين مع الرسل ، وقد قال بعض الصحابة : إذا رأيت أحدا على معصية فانهه فإن أطاعك وإلا كنت شهيدا عليه يوم القيامة ،
مِنْ أَنْفُسِهِمْ
بحسب أن بعثة الرسل كذلك ، في الدنيا وذلك أن الرسول الذي من نفس الأمة في اللسان والسير وفهم الأغراض والإشارات يتمكن له إفهامهم والرد على معانديهم ، ولا يتمكن ذلك من غير من هو من الأمة ، فلذلك لم يبعث اللّه قط نبيا إلا من الأمة المبعوث إليهم ، وقوله
هؤُلاءِ
إشارة إلى هذه الأمة و
الْكِتابَ
القرآن ، وقوله
تِبْياناً
اسم وليس بالمصدر ، وهو كالنقصان ، والمصادر في مثل هذا ، التاء فيها مفتوحة كالترداد والتكرار ، ونصب
تِبْياناً
على الحال . وقوله
لِكُلِّ شَيْءٍ
أي مما يحتاج في الشرع ولا بد منه في الملة كالحلال والحرام والدعاء إلى اللّه والتخويف من عذابه ، وهذا حصر ما اقتضته عبارات المفسرين ، وقال ابن مسعود : أنزل في هذا القرآن كل علم ، وكل شيء قد بين لنا في القرآن ، ثم تلا هذه الآية .
قوله عزّ وجل :
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 90 إلى 91 ]
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 90 ) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ( 91 )
قال عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه : أجمل آية في كتاب اللّه آية في سورة النحل ، وتلا هذه الآية ،