تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 412

مساهمون:

ص٤١٢
قوله عزّ وجل :

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 80 إلى 81 ]

وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ ( 80 ) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ( 81 ) هذه آية تعديد نعمة اللّه على الناس في البيوت ، فذكر أولا بيوت التمدن وهي التي للإقامة الطويلة وهي أعظم بيوت الإنسان ، وإن كان الوصف ب
سَكَناً
يعم جميع البيوت ، والسكن مصدر يوصف به الواحد ، ومعناه يسكن فيها وإليها ثم ذكر تعالى بيوت النقلة والرحلة ، وقوله
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً
يحتمل أن يعم به بيوت الأدم وبيوت الشعر وبيوت الصوف ، لأن هذه هي من الجلود ، لكونها نابتة فيها ، نحا إلى ذلك ابن سلام ، ويكون قوله
وَمِنْ أَصْوافِها
عطفا على قوله
مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ
، أي جعل بيوتا أيضا ، ويكون قوله
أَثاثاً
نصبا على الحال ، و
تَسْتَخِفُّونَها
أي تجدونها خفافا وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو « ظعنكم » بفتح العين ، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي « ظعنكم » بسكون العين ، وهما لغتان ، وليس بتخفيف ، و « ظعن » معناه رحل والأصواف للغنم ، والأوبار للإبل ، والأشعار للمعز والبقر ، ولم تكن بلادهم بلاد قطن وكتان فلذلك اقتصر على هذه ، ويحتمل أن ترك ذلك القطن والحرير والكتان إعراضا عن ذلك السرف ، إذ ملبس عباد اللّه الصالحين إنما هو الصوف ، وأيضا فقد أشير إلى القطن والحرير والكتان في لفظ السرابيل ، والأثاث متاع البيت واحدتها أثاثة ، هذا قول أبي زيد الأنصاري ، وقال غيره الأثاث جميع أنواع المال ولا واحد له من لفظه . قال القاضي أبو محمد : والاشتقاق يقوي هذا المعنى الأعم : لأن حال الإنسان تكون بالمال أثيثة ، تقول شعر أثيث ونبات أثيث إذا كثر والتف ، وقوله
إِلى حِينٍ
يريد به وقتا غير معين ، وهو بحسب كل إنسان إما بموته وإما بفقد تلك الأشياء التي هي أثاث ، ومن هذه اللفظة قول الشاعر : [ الوافر ]
أهاجتك الظعائن يوم بانوا * بذي الزيّ الجميل من الأثاث
وقوله :
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ
الآية ، نعم عددها اللّه عليهم بحسب أحوالهم وبلادهم ، وأنها الأشياء المباشرة لهم ، لأن بلادهم من الحرارة وقهر الشمس بحيث للظل غناء عظيم ونفع ظاهر ، وقوله
مِمَّا خَلَقَ
يعم جميع الأشخاص المظلة ، و « الأكنان » جمع كن وهو الحافظ من المطر والريح وغير ذلك ، و « السرابيل » جميع ما يلبس على جميع البدن كالقميص والقرقل ، والمجول والدرع والجوشن والخفتان ونحوه ، وذكر وقاية الحر إذا هو أمس في تلك البلاد على ما ذكرنا ، والبرد فيها معدوم في الأكثر ، وإذا جاء في الشتوات فإنما يتوقى بما هو أكثف من السربال المتقدم الذكر ، فتبقى السرابيل لتوقي الحر فقط ، قاله الطبري عن عطاء الخراساني ، ألا ترى أن اللّه قد نبههم إلى العبرة في البرد ولم يذكر لهم الثلج لأنه ليس في بلادهم ، قال ابن عباس : إن الثلج شيء أبيض ينزل من السماء ما رأيته قط .