تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
قوله عزّ وجل :

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 45 إلى 48 ]

أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ( 45 ) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 46 ) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 47 ) أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ ( 48 ) هذه الآية تهديد لأهل مكة ، وهم المراد ب
الَّذِينَ
في قول الأكثر ، وقال مجاهد : المراد نمرود بن كنعان ، والأول أظهر ، ونصب
السَّيِّئاتِ
يحتمل وجهين : أحدهما أن ينصب بقوله
أَ فَأَمِنَ
وتكون
السَّيِّئاتِ
على هذا العقوبات التي تسوء من تنزل به ، ويكون قوله
أَنْ يَخْسِفَ
بدلا منها . والوجه الثاني أن ينصب ب
مَكَرُوا
، وعدي
مَكَرُوا
لأنه بمعنى عملوا وفعلوا ، و
السَّيِّئاتِ
على هذا معاصي الكفر وغيره ، قاله قتادة ، ثم توعدهم بما أصاب الأمم قبلهم من الخسف ، وهو أن تبتلع الأرض المخسوف به ويقعد به إلى أسفل وأسند النقاش ، أن قوما في هذه الأمة ، أقيمت الصلاة فتدافعوا الإمامة وتصلفوا في ذلك فما زالوا كذلك حتى خسف بهم ، و
تَقَلُّبِهِمْ
سفرهم ومحاولتهم المعايش بالسفر والرعاية ونحوها ، و « المعجز » المفلت هربا كأنه عجز طالبه ، وقوله
عَلى تَخَوُّفٍ
أي على جهة التخوف ، والتخوف النقص ومنه قول الشاعر : [ البسيط ]
تخوف السير منها تامكا فردا * كما تخوف عود النبعة السفن
والسفن المبرد ويروى أن عمر بن الخطاب خفي عليه معنى « التخوف » في هذه الآية ، وأراد الكتب إلى الأمصار يسأل عن ذلك ، حتى سمع هذا البيت ، ويروى أنه جاءه فتى من العرب وهو قد أشكل عليه أمر لفظة « التخوف » ، فقال له يا أمير المؤمنين : إن أبي يتخوفني مالي ، فقال عمر : اللّه أكبر
أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ
، ومنه قول طرفة :
وجامل خوف من نبيه * زجر المعلى أبدا والسفيح
ويروى من نبته ، ومنه قول الآخر : [ الوافر ]
ألأم على الهجاء وكل يوم * تلاقيني من الجيران غول
تخوف غدرهم مالي وهدي * سلاسل في الحلوق لها صليل
يريد الأهاجي ، ومنه قول النابغة : [ الطويل ]
تخوفهم حتى أذل سراتهم * بطعن ضرار بعد قبح الصفائح
قال القاضي أبو محمد : وهذا التنقص يتجه الوعيد به على معنيين : أحدهما أن يهلكهم ويخرج أرواحهم على تخوف أي أفذاذا ينقصهم بذلك الشيء بعد الشيء ، وهذا لا يدعي أحد أنه يأمنه ، وكأن