تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
شيء ، فكأنه قال إذا ظهر للمراد منه ، وعلى هذا الوجه يخرج قوله تعالى :
فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ
[ التوبة : 105 ] ، وقوله تعالى :
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
[ آل عمران : 140 ] ونحو هذا مما معناه ، ويقع منكم ما رآه اللّه تعالى في الأزل وعلمه ، وقوله
أَنْ نَقُولَ
منزل منزلة المصدر ، كأنه قال قولنا ، ولكن
أَنْ
مع الفعل تعطي استئنافا ليس في المصدر في أغلب أمرها ، وقد تجيء في مواضع لا يلحظ فيها الزمن كهذه الآية ، وكقوله تعالى
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ
[ الروم : 25 ] وغير ذلك ، وذهب أكثر الناس إلى أن الشيء هو الذي يقال له ، كالمخاطب ، وكأن اللّه تعالى قال في الأزل لجميع ما خلق :
كُنْ
بشرط الوقت والصفة ، وقال الزجاج
لَهُ
بمعنى من أجله ، وهذا يمكن أن يرد بالمعنى إلى الأول ، وذهب قوم إلى أن قوله
أَنْ نَقُولَ
مجاز ، كما تقول قال برأسه فرفعه وقال بيده فضرب فلانا ، ورد على هذا المنزع أبو منصور ، وذهب إلى أن الأولى هو الأولى ، وقرأ الجمهور « فيكون » برفع النون ، وقرأ ابن عامر والكسائي هنا وفي يس ، « فيكون » بنصبها ، وهي قراءة ابن محيصن . قال القاضي أبو محمد : والأول أبعد من التعقيب الذي يصحب الفاء في أغلب حالها فتأمله ، وفي هذه النبذة ما يطلع منه على عيون هذه المسألة ، وشرط الإيجاز منع من بسط الاعتراضات والانفصالات ، والمقصود بهذه الآية إعلام منكري البعث بهوان أمره على اللّه وقربه في قدرته لا رب غيره . قوله عزّ وجل :

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 41 إلى 44 ]

وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 41 ) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 42 ) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 43 ) بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 44 ) لما ذكر اللّه تعالى كفار مكة الذين أقسموا أن اللّه لا يبعث من يموت ، ورد على قولهم ، ذكر مؤمني مكة المعاصرين لهم ، وهم الذين هاجروا إلى أرض الحبشة ، هذا قول الجمهور ، وهو الصحيح في سبب الآية ، لأن هجرة المدينة لم تكن وقت نزول الآية ، وقالت فرقة سبب الآية أبو جندل بن سهيل بن عمرو . قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف ، لأن أمر أبي جندل كان والنبي صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة ، وقالت فرقة نزلت في عمار وصهيب وخباب وأصحابهم الذين أوذوا بمكة وخرجوا عنها . قال القاضي أبو محمد : وعلى كل قول فالآية تتناول بالمعنى كل من هاجر أولا وآخرا . وقرأ الجمهور « لنبوئنهم » وقرأ ابن مسعود ونعيم بن ميسرة ونعيم بن ميسرة والربيع بن خثيم وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب . « لنثوينهم » وهاتان اللفظتان معناهما التقرير ، فقالت فرقة : الحسنة عدة ببقعة شريفة كشف الغيب أنها كانت المدينة ، وإليها كانت الإشارة بقوله
حَسَنَةً
وقالت فرقة : الحسنة لسان الصدق الباقي عليهم في غابر الدهر .