تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
هذا الوعيد إنما يكون بعذاب ما يلقون بعد الموت ، وإلا فبهذا تهلك الأمم كلها ، ويؤيد هذا قوله
فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ
أي إن هذه الرتبة الثالثة من الوعيد ، فيها رأفة ورحمة وإمهال ليتوب التائب ويرجع الراجع : والآخر أن يأخذ بالعذاب طائفة أو قرية ويترك أخرى ، ثم كذلك حتى يهلك الكل ، وقالت فرقة : « التخوف » هنا من الخوف أي يأخذهم بعد تخوف ينالهم فيعذبهم به . قال القاضي أبو محمد : وفي هذا القول تكلف ما ، وقوله
أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ
الآية ، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر « أو لم يروا » بالياء على لفظ الغائب ، وكذلك في العنكبوت ، فهي جارية على قوله :
أَوْ يَأْخُذَهُمْ
، وقوله :
أَوْ يَأْتِيَهُمُ
وقوله :
لا يَشْعُرُونَ
، ورجحها الطبري ، وقرأ حمزة والكسائي « أو لم تروا » بالتاء في الموضعين ، وهي قراءة الحسن والأعرج وأبي عبد الرحمن ، وذلك يحتمل من المعنى وجهين أحدهما : أن يكون على معنى قل لهم يا محمد أو لم تروا ، والوجه الآخر أن يكون خطابا عاما لجميع الخلق ابتدأ به القول آنفا ، وقرأ عاصم في النحل بالتاء من فوق ، واختلف عنه في العنكبوت ، وقوله
مِنْ شَيْءٍ
لفظ عام في كل ما اقتضته الصفة في قوله
يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ
لأن ذلك صفة لما عرض العبرة في جميع الأشخاص التي لها ظل ، والرؤية هنا هي رؤية القلب ، ولكن الاعتبار برؤية القلب إنما تكون في مرئيات بالعين ، وقرأ أبو عمرو وحده « تتفيأ » بالتاء من فوق ، وهي قراءة عيسى ويعقوب ، وقرأ الجمهور « يتفيأ » ، قال أبو علي : إذا تقدم الفعل المنسوب إلى مثل هذا الجمع فالتذكير والتأنيث فيه حسنان ، وفاء الظل رجع بعكس ما كان إلى الزوال ، وذلك أن الشمس من وقت طلوعها إلى وقت الزوال إنما هي في نسخ الظل العام قبل طلوعها ، فإذا زالت ابتدأ رجوع الظل العام ، ولا يزال ينمو حتى تغيب الشمس ، فيعم ، والظل الممدود في الجنة لم يذكر اللّه فيئه لأنه لم يرجع بعد أن ذهب ، وكذلك قول حميد بن ثور :
فلا الظل من برد الضحى تستطيعه * ولا الفيء من برد العشي تذوق
فهو على المهيع ، وكذلك قول علقمة بن عبدة : [ الطويل ]
تتبع أفياء الظلال عشية * على طرق كأنهن سيوف
وكذلك قول امرئ القيس : يفيء عليها الظل وأما النابغة الجعدي فقال : [ الخفيف ]
فسلام الإله يغدو عليهم * وفيء الفردوس ذات الظلال
فتجوز في أن جعل الفيء حيث لا رجوع ، وقال رؤبة بن العجاج : يقال بعد الزوال فيء وظل ، ولا يقال قبله إلا ظل فقط ، ويقال فاء الظل أي رجع من النقصان إلى الزيادة ، ويعدى فاء بالهمزة كقوله تعالى :
ما أَفاءَ اللَّهُ *
[ الحشر : 7 ] ويعدى بالتضعيف فيقال أفاءه اللّه وفياه اللّه وتفيأ مطاوع فيا ، ولا يقال الفيء إلا من بعد الزوال في مشهور كلام العرب ، لكن هذه الآية الاعتبار فيها من أول النهار إلى آخره ، فكأن الآية