تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
الحجاز ، وقرأ الحسن وإبراهيم وأبو حيوة بفتح الراء ، وقرأ إبراهيم منهم ، « وإن » بزيادة الواو ، والضمير في قوله
وَأَقْسَمُوا
لكفار قريش ، وذكر أن رجلا من المسلمين حاور رجلا من المشركين ، فقال في حديثه : لا والذي أرجوه بعد الموت ، فقال له الكافر أو نبعث بعد الموت ؟ قال : نعم ، فأقسم الكافر مجتهدا في يمينه أن اللّه لا يبعث أحدا بعد الموت ، فنزلت الآية بسبب ذلك ، و
جَهْدَ
مصدر ومعناه فغاية جهدهم ، ثم رد اللّه تعالى عليهم بقوله تعالى
بَلى
فأوجب بذلك البعث ، وقوله
وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا
مصدران مؤكدان ، وقرأ الضحاك « بلى وعد عليه حق » بالرفع في المصدرين ، و
أَكْثَرَ النَّاسِ
في هذه الآية الكفار المكذبون بالبعث . قال القاضي أبو محمد : والبعث من القبور مما يجوزه العقل ، وأثبته خبر الشريعة على لسان جميع النبيين ، وقال بعض الشيعة إن الإشارة بهذه الآية إنما هي لعلي بن أبي طالب ، وإن اللّه سيبعثه في الدنيا ، وهذا هو القول بالرجعة ، وقولهم هذا باطل وافتراء على اللّه وبهتان من القول رده ابن عباس وغيره . قوله عزّ وجل :

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 39 إلى 40 ]

لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ ( 39 ) إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 40 ) اللام في قوله
لِيُبَيِّنَ
تتعلق بما في ضمن قوله
بَلى
[ النحل : 38 ] لأن التقدير « بلى يبعث ليبين » ، وقيل هي متعلقة بقوله
وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا
[ النحل : 36 ] والأول أصوب في المعنى ، لأن به يتصور كذب الكفار في إنكار البعث ، وقوله
إِنَّما قَوْلُنا
الآية ، « إنما » في كلام العرب هي للمبالغة وتحقيق تخصيص المذكور ، فقد تكون مع هذا حاصرة إذا دل على ذلك المعنى ، كقوله تعالى
إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ
[ النساء : 171 ] وأما قول النبي صلى اللّه عليه وسلم « إنما الربا في النسيئة » وقول العرب : إنما الشجاع عنترة ، فبقي فيها معنى المبالغة فقط ، و
إِنَّما
في هذه الآية هي للحصر ، وقاعدة القول في هذه الآية أن تقول ، إن الإرادة والأمر اللذين هما صفتان من صفات اللّه تعالى القديمة ، هما قديمان أزليان ، وإن ما في ألفاظ هذه الآية من معنى الاستقبال والاستئناف إنما هو راجع إلى المراد ، لا إلى الإرادة ، وذلك أن الأشياء المرادة المكونة في وجودها استئناف واستقبال لا في إرادة ذلك ولا في الأمر به ، لأن ذينك قديمان ، فمن أجل المراد عبر ب
إِذا
وب
نَقُولَ
، ويرجع الآن على هذه الألفاظ فتوضح الوجه فيها واحدة واحدة ، أما قوله
لِشَيْءٍ
فيحتمل وجهين : أحدهما أن الأشياء التي هي مرادة وقيل لها
كُنْ
، معلوم أن للوجود يأتي على جميعها بطول الزمن وتقدير اللّه تعالى ، فلما كان وجودها حتما جاز أن تسمى أشياء وهي في حالة عدم ، والوجه الثاني أن يكون قوله
لِشَيْءٍ
تنبيها لنا على الأمثلة التي تنظر فيها ، أي إن كل ما تأخذونه من الأشياء الموجودة فإنما سبيله أن يكون مرادا وقيل له
كُنْ
فكان ، ويكون ذلك الشيء المأخوذ من الموجودات مثالا لما يتأخر من الأمور وما تقدم وفني ، فبهذا يتخلص من تسمية المعدوم شيئا ، وقوله
أَرَدْناهُ
منزل منزلة مراد ، ولكنه أتى بهذه الألفاظ المستأنفة بحسب أن الموجودات تجيء وتظهر شيئا بعد