وبئس إنما تدخلان على معرف بالألف واللام أو مضاف إلى معرف بذلك ، والمذموم هنا محذوف ، تقديره بئس المثوى
مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ
، و « المتكبر » هنا هو الذي أفضى به كبره إلى الكفر ، وقوله
وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا
الآية ، لما وصف تعالى مقالة الكفار الذين قالوا أساطير الأولين ، عادل ذلك بذكر مقالة المؤمنين من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأوجب لكل فريق ما يستحق لتتباين المنازل بين الكفر والإيمان ، و
ما ذا
تحتمل ما ذكر في التي قبلها ، وقولهم
خَيْراً
جواب بحسب السؤال ، واختلف المتأولون في قوله تعالى
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا
إلى آخر الآية ، فقالت فرقة : هو ابتداء كلام من اللّه مقطوع مما قبله ، لكنه بالمعنى وعد متصل بذكر إحسان المتقين في مقالتهم ، وقالت فرقة : هو من كلام الذين
قالُوا خَيْراً
وهو تفسير للخير الذي أنزل اللّه في الوحي على نبينا خبرا أن من أحسن في الدنيا بطاعة فله حسنة في الدنيا ونعيم في الآخرة بدخول الجنة ، وروى أنس بن مالك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن اللّه لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة » . وقد تقدم القول في إضافة « الدار » إلى الآخرة وباقي الآية بين .
قوله عزّ وجل :
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 31 إلى 32 ]
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ ( 31 ) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 32 )
جَنَّاتُ عَدْنٍ
يحتمل أن يرتفع على خبر ابتداء مضمر بتقدير هي جنات عدن ، ويحتمل أن يرتفع بقوله
وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ
[ النحل : 30 ]
جَنَّاتُ عَدْنٍ *
ويحتمل أن يكون التقدير ، لهم جنات عدن ، ويحتمل أن يكون
جَنَّاتُ
مبتدأ وخبره
يَدْخُلُونَها
، وقرأ زيد بن ثابت وأبو عبد الرحمن « جنات » بالنصب ، وهذا نحو قولهم زيد ضربته ، وقرأ جمهور الناس « يدخلونها » ، وقرأ إسماعيل عن نافع « يدخلونها » بضم الياء وفتح الخاء ، ولا يصح هذا عن نافع ، ورويت عن أبي جعفر وشيبة بن نصاح ، وقوله
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
في موضع الحال وباقي الآية بين . وقرأ الجمهور « تتوفاهم » بالتاء ، وقرأ الأعمش « يتوفاهم » بالياء من تحت ، وفي مصحف ابن مسعود « توفاهم » بتاء واحدة في الموضعين ، و
طَيِّبِينَ
عبارة عن صلاح حالهم واستعدادهم للموت ، وهذا بخلاف ما قال في الكفرة
ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ
[ النحل : 28 ] ، والطيب الذي لا خبث معه ، ومنه قوله تعالى
طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ
[ الزمر : 73 ] وقول الملائكة :
سَلامٌ عَلَيْكُمْ
، بشارة من اللّه تعالى ، وفي هذا المعنى أحاديث صحاح يطول ذكرها وقوله
بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
أي بما كان في أعمالكم من تكسبكم ، وهذا على التجوز ، علق دخولهم الجنة بأعمالهم من حيث جعل الأعمال أمارة لإدخال العبد الجنة ، ويعترض في هذا المعنى قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا يدخل الجنة أحد بعمله » ، قالوا : ولا أنت يا رسول اللّه ، قال : « ولا أنا إلا أن يتغمدني اللّه بفضل منه ورحمة » وهذه الآية ترد بالتأويل إلى معنى الحديث .