تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
و
ضَرَبَ
هذه تتعدى إلى مفعولين ، لأنها بمنزلة جعل ونحوه إذ معناها : جعل ضربها . وقال المهدوي :
مَثَلًا
مفعول ، و
كَلِمَةً
بدل منه . قال القاضي أبو محمد : وهذا على أنها تتعدى إلى مفعول واحد ، وإنما أوهم في هذا قلة التحرير في
ضَرَبَ
هذه . والكاف في قوله :
كَشَجَرَةٍ
في موضع الحال ، أي مشبهة شجرة . قال القاضي أبو محمد : وقال ابن عباس وغيره : « الكلمة الطيبة » هي لا إله إلا اللّه ، مثلها اللّه ب « الشجرة الطيبة » ، وهي النخلة في قول أكثر المتأولين ، فكأن هذه الكلمة
أَصْلُها ثابِتٌ
في قلوب المؤمنين ، وفضلها وما يصدر عنها من الأفعال الزكية والحسنة وما يتحصل من عفو اللّه ورحمته - هو فرعها يصعد إلى السماء من قبل العبد ، ويتنزل بها من قبل اللّه تعالى . وقرأ أنس بن مالك « ثابت أصلها » وقالت فرقة : إنما مثل اللّه ب « الشجرة الطيبة » المؤمن نفسه ، إذ « الكلمة الطيبة » لا تقع إلا منه ، فكأن الكلام كلمة طيبة وقائلها . وكأن المؤمن ثابت في الأرض وأفعاله وأقواله صاعدة ، فهو كشجرة فرعها في السماء ، وما يكون أبدا من المؤمن من الطاعة ، أو عن الكلمة من الفضل والأجر والغفران هو بمثابة الأكل الذي تأتي به كل حين . وقوله عن الشجرة
وَفَرْعُها فِي السَّماءِ
أي في الهواء نحو السماء ، والعرب تقول عن المستطيل نحو الهواء ، وفي الحديث : خلق اللّه آدم طوله في السماء ستون ذراعا ، وفي كتاب سيبويه : والقيدودة : الطويل في غير سماء . قال القاضي أبو محمد : كأنه انقاد وامتد . وقال أنس بن مالك وابن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد : « الشجرة الطيبة » في هذه الآية هي النخلة ، وروي ذلك في أحاديث وقال ابن عباس أيضا : هي شجرة في الجنة . قال القاضي أبو محمد : ويحتمل أن تكون شجرة غير معينة إلا أنها كل ما اتصف بهذه الصفات فيدخل في ذلك النخلة وغيرها . وقد شبه الرسول عليه السلام المؤمن الذي يقرأ القرآن بالأترجة ، فلا يتعذر أيضا أن يشبه بشجرتها . و « الأكل » الثمر وقرأ عاصم وحده « أكلها » بضم الكاف . وقوله :
كُلَّ حِينٍ
: « الحين » في اللغة - القطيع من الزمن غير محدد كقوله تعالى :
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ
[ الإنسان : 1 ] وكقوله :
وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ
[ ص : 88 ] . وقد تقتضي لفظة الحين بقرينتها تحديدا ، كهذه الآية ، فإن ابن عباس وعكرمة ومجاهدا والحكم وحمادا وجماعة من الفقهاء قالوا : من حلف ألا يفعل شيئا حينا فإنه لا يفعله سنة ، واستشهدوا بهذه الآية
تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ
أي كل سنة ، وقال ابن عباس وعكرمة والحسن : أي كل ستة أشهر ، وقال ابن المسيب : الحين شهران لأن النخلة تدوم مثمرة شهرين ، وقال ابن عباس أيضا والضحاك والربيع بن أنس :
كُلَّ حِينٍ
أي غدوة وعشية ومتى أريد جناها .