تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 324

مساهمون:

ص٣٢٤
بعث موسى أشياعا متفرقين في الدين : قوم مع القبط في عبادة فرعون ، وكلهم على غير شيء ، وهذا مذهب الطبري - وحكاه عن ابن عباس - وإن صح أنهم كانوا على دين إبراهيم وإسرائيل ونحو هذا ف
الظُّلُماتِ
الذل والعبودية ، و
النُّورِ
العزة والدين والظهور بأمر اللّه تعالى . قال القاضي أبو محمد : وظاهر هذه الآية وأكثر الآيات في رسالة موسى عليه السلام أنها إنما كانت إلى بني إسرائيل خاصة ، في معنى الشرع لهم وأمرهم ونهيهم بفروع الديانة ، وإلى فرعون وأشراف قومه في أن ينظروا ويعتبروا في آيات موسى فيقروا باللّه ويؤمنوا به تعالى وبموسى ومعجزته ويتحققوا نبوته ويرسلوا معه بني إسرائيل . قال القاضي أبو محمد : ولا يترتب هذا إلا بإيمان به . وأما أن تكون رسالته إليهم لمعنى اتباعه والدخول في شرعه فليس هذا بظاهر القصة ولا كشف الغيب ذلك ، ألا ترى أن موسى خرج عنهم ببني إسرائيل ؟ فلو لم يتبع لمضى بأمته ، وألا ترى أنه لم يدع القبط بجملتهم وإنما كان يحاور أولي الأمر ؟ وأيضا فليس دعاؤه لهم على حد دعاء نوح وهود وصالح أممهم في معنى كفرهم ومعاصيهم ، بل في الاهتداء والتزكي وإرسال بني إسرائيل . ومما يؤيد هذا أنه لو كانت دعوته لفرعون والقبط على حدود دعوته لبني إسرائيل فلم كان يطلب بأمر اللّه أن يرسل معه بني إسرائيل ؟ بل كان يطلب أن يؤمن الجميع ويتشرعوا بشرعه ويستقر الأمر . وأيضا فلو كان مبعوثا إلى القبط لرده اللّه إليهم حين غرق فرعون وجنوده ، ولكن لم يكونوا أمة له فلم يرد إليهم . قال القاضي أبو محمد : واحتج من ذهب إلى أن موسى بعث إلى جميعهم بقوله تعالى في غير آية
إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ
[ الأعراف : 103 ] ، و
إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ
[ النمل : 12 ] واللّه أعلم . وقوله :
وَذَكِّرْهُمْ
الآية . أمر اللّه عزّ وجل موسى أن يعظ قومه بالتهديد بنقم اللّه التي أحلها بالأمم الكافرة قبلهم وبالتعديد لنعمه عليهم في المواطن المتقدمة ، وعلى غيرهم من أهل طاعته ليكون جريهم على منهاج الذين أنعم عليهم وهربهم من طريق الذين حلت بهم النقمات ، وعبر عن النعم والنقم ب « الأيام » إذ هي في أيام ، وفي هذه العبارة تعظيم هذه الكوائن المذكر بها ، ومن هذا المعنى قولهم : يوم عصيب ، ويوم عبوس ، ويوم بسام ، وإنما الحقيقة وصف ما وقع فيه من شدة أو سرور . وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت : أيام الله : نعمه : وعن فرقة أنها قالت : أيام الله : نقمه . قال القاضي أبو محمد : ولفظة « الأيام » تعم المعنيين ، لأن التذكير يقع بالوجهين جميعا . وقوله :
لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
إنما أراد لكل مؤمن ناظر لنفسه ، فأخذ من صفات المؤمن صفتين تجمع أكثر الخصال وتعم أجمل الأفعال . قوله عزّ وجل :
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 324 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى