وقوله :
وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ
يحتمل معنيين :
أحدهما : الحقيقة وأنه أخبر عن كون
الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ
في الآخرة فهي كقوله تعالى :
إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ
[ غافر : 71 ] .
ويحتمل أن يكون مجازا وأنه أخبر عن كونهم مغللين عن الإيمان ، فهي إذن تجري مجرى الطبع والختم على القلوب ، وهي كقوله تعالى :
إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ ، فَهُمْ مُقْمَحُونَ
[ يس : 8 ] وباقي الآية بين .
وقال بعض الناس
الْأَغْلالُ
- هنا - عبارة عن الأعمال ، أي أعمالهم الفاسدة في أعناقهم كالأغلال .
قال القاضي أبو محمد : وتحرير هذا هو في التأويل الثاني الذي ذكرناه .
وقوله تعالى :
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ . .
الآية ، هذه آية تبين تخطئتهم في أن يتمنوا المصائب ، ويطلبوا سقوط كسف من السماء أو حجارة تمطر عليهم ونحو هذا مع خلو ذلك في الأمم ونزوله بأناس كثير ؛ ولو كان ذلك لم ينزل قط لكانوا أعذر ، و
الْمَثُلاتُ
جمع مثلة ، كسمرة وسمرات ، وصدقة وصدقات .
وقرأ الجمهور « المثلات » بفتح الميم وضم الثاء ، وقرأ مجاهد « المثلات » بفتح الميم والثاء ، وذلك جمع مثلة ، أي الأخذة الفذة بالعقوبة ، وقرأ عيسى بن عمر « المثلات » بضم الميم والتاء ، ورويت عن أبي عمرو ؛ وقرأ يحيى بن وثاب بضم الميم وسكون الثاء ، وهاتان جمع مثلة ، وقرأ طلحة بن مصرف « المثلات » بفتح الميم وسكون الثاء .
ثم رجّى عزّ وجل بقوله :
وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ
قال الطبري : معناه في الآخرة ، وقال قوم : المعنى : إذا تابوا ، و « شديد العقاب » إذا كفروا .
قال القاضي أبو محمد : والظاهر من معنى « المغفرة » هنا إنما هو ستره في الدنيا وإمهاله للكفرة ، ألا ترى التيسير في لفظ
مَغْفِرَةٍ
، وأنها منكرة مقللة ، وليس فيها مبالغة كما في قوله :
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ
[ طه : 82 ] ونمط الآية يعطي هذا ، ألا ترى حكمه عليهم بالنار ، ثم قال :
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ
فلما ظهر سوء فعلهم وجب في نفس السامع تعذيبهم ، فأخبر بسيرته في الأمم وأنه يمهل مع ظلم الكفر ، ولم يرد في الشرع أن اللّه تعالى يغفر ظلم العباد .
ثم خوف بقوله :
وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ
قال ابن المسيب : لما نزلت هذه الآية قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لولا عفو اللّه ومغفرته لما تمنى أحد عيشا ، ولولا عقابه لا تكل كل أحد » . وقال ابن عباس : ليس في القرآن أرجى من هذه الآية .
و
الْمَثُلاتُ
هي العقوبات المنكلات التي تجعل الإنسان مثلا يتمثل به ، ومنه التمثيل بالقتلى ، ومنه المثلة بالعبيد .