تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
فمن ذلك هذه الواحدة من الخمس التي هي من مفاتيح الغيب ، وهي أن اللّه تعالى انفرد بمعرفة ما تحمل به الإناث ، من الأجنة من كل نوع من الحيوان ؛ وهذه البدأة تبين أنه لا تتعذر على القادر عليها الإعادة . و
ما
في قوله :
ما تَحْمِلُ
يصح أن تكون بمعنى الذي ، مفعولة
يَعْلَمُ
ويصح أن تكون مصدرية ، مفعولة أيضا ب
يَعْلَمُ
، ويصح أن تكون استفهاما في موضع رفع بالابتداء ، والخبر :
تَحْمِلُ
وفي هذا الوجه ضعف . وفي مصحف أبي بن كعب : « ما تحمل كل أنثى وما تضع » . وقوله :
وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ
معناه : ما تنقص ، وذلك أنه من معنى قوله :
وَغِيضَ الْماءُ
[ هود : 44 ] وهو بمعنى النضوب فهي - هاهنا - بمعنى زوال شيء عن الرحم وذهابه ، فلما قابله قوله :
وَما تَزْدادُ
فسر بمعنى النقصان : ثم اختلف المتأولون في صورة الزيادة والنقصان : فقال مجاهد « غيض الرحم » أن يهرق دما على الحمل ، وإذا كان ذلك ضعف الولد في البطن وشحب ، فإذا أكملت الحامل تسعة أشهر لم تضع وبقي الولد في بطنها زيادة من الزمن يكمل فيها من جسمه وصحته ما نقص بمهراقة الدم ، فهذا هو معنى قوله :
وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ
وجمهور المتأولين على أن غيض الرحم الدم على الحمل . وذهب بعض الناس إلى أن غيضه هو نضوب الدم فيه وامتساكه بعد عادة إرساله بالحيض ، فيكون قوله :
وَما تَزْدادُ
- بعد ذلك - جاريا مجرى
تَغِيضُ
على غير مقابلة ، بل غيض الرحم هو بمعنى الزيادة فيه . وقال الضحاك : غيض الرحم أن تسقط المرأة الولد ، والزيادة أن تضعه لمدة كاملة تاما في خلقه . وقال قتادة : الغيض : السقط ، والزيادة : البقاء بعد تسعة أشهر . وقوله :
وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ
لفظ عام في كل ما يدخله التقدير ، و
الْغَيْبِ
: ما غاب عن الإدراكات ، و
الشَّهادَةِ
: ما شوهد من الأمور ، ووضع المصادر موضع الأشياء التي كل واحد منها لا بد أن يتصف بإحدى الحالتين . وقوله :
الْكَبِيرُ
صفة تعظيم على الإطلاق ، و « المتعالي » من العلو . واختلفت القراءة في الوقف على « المتعال » : فأثبت ابن كثير وأبو عمرو - في بعض ما روي عنه - الياء في الوصل والوقف ، ولم يثبتها الباقون في وصل ولا وقف . وإثباتها هو الوجه والباب . واستسهل سيبويه حذفها في الفواصل - كهذه الآية - قياسا على القوافي في الشعر ، ويقبح حذفها في غير فاصلة ولا شعر ، ولكن وجهه أنه لما كان التنوين يعاقب الألف واللام أبدا ، وكانت هذه الياء تحذف مع التنوين ، حسن أن تحذف مع معاقبه . قال القاضي أبو محمد : ويتصل بهذه الآية فقه يحسن ذكره : فمن ذلك اختلاف الفقهاء في الدم
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 298 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى